إنّما كان فقدان النموّ مثالًا من جملة أمور عدّة يمكن درجها في هيئة قياس من الأقيسة ، وذلك كالموت الطبيعي فهو دائمي لا يمكن استناده إلى الاستعداد والمادّة أيضاً ، بل هو مستند إلى أسباب فاعليّة تقتضي أحوالًا مطّردة إمّا بالذات ، كالاستكمالات التي توصل إلى الغايات الذاتيّة ، كالموت الطبيعي الذي يعدّ انتقالًا لازماً لغاية ذاتيّة للنفس يتلخّص في استكمالها وبلوغها الدرجة في الشدّة ، والاستغناء عن البدن ، وهذا ما يمكن عرضه من خلال القياس التالي :
الأحوال المطّردة منشؤها أسباب فاعليّة
الموت الطبيعي - ) حال مطّردة
الموت الطبيعي منشؤه أسباب فاعليّة .
ومن المعلوم أنّ المادّة ، والاستعداد ليسا من الأُمور الفاعليّة .
وإمّا أن تقتضي الأسباب الفاعليّة أحوالًا مطّردة بالعرض ، حيث يطّرد انصراف النفس عن فعل بسبب توجّهها إلى فعل آخر ، هذا طبعاً بالنسبة إلى النفوس التي لم تبلغ مرحلة من القوّة والشدّة بحيث لا يشغلها شأنٌ عن شأن .
اختلاف أحوال الإنسان
ما يُراد قوله هاهنا هو الإشارة إلى ثمرة تترتّب على البحث التحقيقي الذي تضمّنه هذا النصّ ، وهو أنّ هذه الأحوال التي جيء على ذكرها في مناقشة السهروردي لحجّة الطامعين بالكثرة ، إنّما هي أحوال تستند إلى الأسباب الفاعليّة ، ولا دخالة للمزاج والاستعداد والمادّة فيها ، بل أحوال المزاج المتعدّدة إنّما هي وليدة اختلاف أطوار السبب الفاعلي له ، وتقلّبه في النشآت ، فللنفس في كلّ وقت تجوهر يقتضي فعلًا يناسبه .
فإن قلت : كيف يبطل أثر ويبقى منشؤه ؟
قلت : لا يمكن ذلك ، بل ينعدم المنشأ ، لكن من حيث كونه منشأً ولا ينعدم