وهذا ما يستفاد من مثل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ « 1 » والتدقيق في مفردات هذه الآية يبيّن أنّها من أكثر آيات القرآن الكريم التي تعطى الأمل للمذنبين ، فشموليتها وسعتها وصلت إلى درجة قال بشأنها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
« ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية »
« 2 » .
ولعلّه يمكن الإشارة إلى بعض الوجوه التي تثبت هذه الحقيقة :
« التعبير ب يَا عِبَادِىَ هي بداية لطف الباري عزّ وجلّ .
التعبير ب لَا تُسْرِفُوا بدلًا من الظلم والذنب والجريمة هو لطف آخر .
عَلَى أَنْفُسِهِمْ يبيّن أنّ ذنوب الإنسان تعود كلّها عليه . وهذا التعبير علامة أُخرى من علامات محبّة الله لعباده ، وهو يشبه خطاب الأب الحريص لولده عندما يقول : لا تظلم نفسك أكثر من هذا .
التعبير ب لَا تَقْنَطُوا مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ القنوط يعنى في الأصل اليأس من الخير ، فإنّه وحده دليل على أنّ المذنبين ينبغي أن لا يقنطوا من اللطف الإلهى .
هامش
( 1 ) الزمر : 53 .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن ، لأبى عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي ، المتوفّى : 671 ه : ج 15 ص 269 ، دار إحياء التراث العربي بيروت .