من هنا تجد صدر المتألّهين يشير في كلماته إلى أنّ هذه المسألة ذكرها المتقدِّمون من الفلاسفة في الآثار والكتب فيقول : « فهاتان المسألتان ؛ اتّحاد العاقل والمعقول وكون العقل الفعّال كلّ الموجودات ، شريفتان من غوامض علم الإلهيّات كأنّهما عينان باصرتان يبصر بقوّتهما صور الأشياء . . . قد جرى ذكرهما على ألسنة بعض المتقدِّمين ، وخلت عن فهمها أذهان كافّة
المتأخّرين » « 1 » .
ولعلّه يشير إلى جذور هذه المسألة الموجود في المذاهب الفلسفيّة اليونانيّة حيث يستبطن نظريّة أفلاطون في الاستذكار القول بالاتّحاد بين العاقل والمعقول ، وهكذا في الآثار المنقولة عن أفلوطين وتلميذه فرفريوس . وينقل صدر المتألّهين عن الشيخ الرئيس ابن سينا كلاماً يحمل فيه على فرفريوس باعتباره من القائلين بهذه المقولة .
ويعتبر ابن سينا في طليعة المُنكرين لقاعدة اتّحاد العاقل والمعقول ومن أولئك الذين عبّروا عن معارضتهم لأنصارها بقوّة ، ولقد بحث هذه القاعدة في معظم آثاره الفلسفيّة وبرهن على إبطالها ؛ يقول ابن سينا في هذا المجال : « إنّ قوماً من المتصدّرين يقع عندهم أنّ الجوهر العاقل إذا عقل صورة عقليّة صار هو هي . فلنفرض الجوهر العاقل عقل ( أ ) ، وكان هو على قولهم بعينه المعقول من ( أ ) ، فهل هو حينئذ كما كان عندما لم يعقل ( أ ) أو بطل منه ذلك ؟
فإن كان كما كان ، فسواء عقل ( أ ) أو لم يعقلها ، وإن كان بطل منه ذلك
هامش
( 1 ) رسالة اتّحاد العاقل والمعقول ( من مجموعة رسائل فلسفيّة ) ، صدر الدِّين الشيرازي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 2001 م : ص 63 .