وعلى هذا فإذا كان ملتفتاً إلى استحالة الانفكاك ، يكون هذا الاعتقاد الثاني بالفعل . وإذا كان غافلًا إلّا أنّه إذا الفت نظره لحكم بالاستحالة ، يكون اعتقاده بالقوّة القريبة من الفعل .
فالمراد من الاعتقاد الثاني بمضمون القضية بالفعل : الالتفات إلى الاستحالة ، والاعتقاد به بالقوّة القريبة من الفعل : الغفلة عن زوال الاستحالة ولكنّه لو الفت نظره إليها لحكَم بها .
ثمّ إنّ من قيود اليقين التي أخذناها في تعريفه : أن لا يكون عن تقليد ، بل لابدّ أن يكون عن استدلال . والوجه في ذلك كما ذكرنا : أنّه إذا كان اليقين والاعتقاد عن تقليد ، كان تابعاً لغيره . وإذا كان كذلك ، فبمجرّد تغيّر يقين الغير ، يتغيّر يقينه بتبع ذلك الغير .
وعلى هذا : لا يمكن أن يُدّعى أنّ اليقين عن تقليد ، لا يمكن زواله ، بل يمكن زواله ؛ بخلاف ما إذا كان الاعتقاد والجزم بعدم إمكان الزوال ناشئاً من الاستدلال والعلّة الموجبة لعدم زواله ، فالاستدلال هو العلّة التي أوجبت الاعتقاد بعدم إمكان زواله .
فإن قلت : كثيراً ما يحصل اليقين نتيجة دليل يظهر بطلانه ليرتفع اليقين ، فأيُّ فرق بين اليقين الحاصل عن تقليد والحاصل عن الدليل ؟
قلنا : بطلان الدليل يكشف عن أنّه ليس العلّة الخاصّة بالنتيجة ، وإنّما كان ذلك بحسب الوهم والحسبان والغلط ، وإلّا فلو كان الدليل هو العلّة الخاصّة بالنتيجة لما تخلّفت عنه ، وإلّا فهو خلف كونها العلّة الخاصّة .
فإذا فرضنا أنّ الحيوان هو علّة ثبوت الجسمية للإنسان - كما هو كذلك في نفس الأمر والواقع - فإن العلم به وبثبوته للحيوان الذي نعلم بثبوته للإنسان ، هو علّة للعلم بثبوت الجسمية للإنسان . وهو ما يمكن بيانه من خلال القياس
شرح كتاب المنطق — صفحة 26
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦