فالمفاهيم أو التصوّرات التي لا تنحلّ إلى عناصر أبسط منها ، نسمّيها تصوّرات بديهية ، مثل : مفهوم الوجود ومفهوم العدم . والتصوّرات التي تنحلّ إلى عناصرها المقوّمة لها نسمّيها تصوّرات نظرية ، مثل : مفهوم الإنسان ، حيث يكون له جهة معلومة إجمالًا وجهة مجهولة تفصيلًا ، وهي الجهة التي تصيّره نظرياً يحتاج إلى كسب وتعريف .
[ 1 . « الضروري » ويسمّى أيضاً « البديهي » وهو ما لا يحتاج في حصوله إلى كسب ونظر وفكر ] بمعناه الاصطلاحي وليس بمعناه العرفي ، وسوف يأتي الكلام عنه في محلّه إن شاء الله تعالى « 1 » .
[ فيحصل بالاضطرار والبداهة التي هي المفاجأة والارتجال من دون توقّف ] أي أنّ النفس تضطرّ إلى قبوله من دون توقّف على شيء آخر .
[ كتصوّرنا لمفهوم الوجود والعدم ] فإنّ مفهوم الوجود من أوضح الأشياء ، وتصوّرك له لا يتوقّف على أيّ شيء آخر ، بخلاف تصوّرك لمفهوم الإنسان ، فإنّه يتوقّف على تصوّر مفهوم الحيوان والناطق ، وبعد تصوّرهما تقول : الإنسان هو الجامع بين الحيوان والناطق ، فإنْ كان مفهوم الحيوان بديهياً عندك تكتفي بذلك ، وإن كان نظرياً فتسأل عنه وتقول : هو جسم حسّاس متحرّك بالإرادة ، جسم نامٍ ، جسم مطلق ، جوهر .
فيتوقّف تصوّر مفهوم الحيوان على تصوّر الأجناس القريبة والمتوسّطة والعالية ، أما تصوّر الجوهر فلا يتوقّف على تصوّر شيء آخر ، ولذا قال : [ ومفهوم الشيء ] الذي هو أعمّ المفاهيم ولا يوجد بعده مفهوم آخر .
[ وكتصديقنا بأنّ الكلّ أعظم من الجزء ] أي بعد تصوّر الكلّ وتصوّر الجزء من ذلك الكلّ لا مطلق الجزء ، وتصوّر النسبة بينهما ، نحكم بأنّ الكلّ أعظم من جزئه .
هامش
( 1 ) في ص : 94 من هذا الكتاب .