الشرح
بما أنّ موضوع علم المنطق هو المعرّف والحجّة ، والتعريف مرتبط بالأمور التصوّرية ، والحجّة مرتبطة بالأمور التصديقية - كما ذكرنا - تعرّض المصنّف إلى بحث التصوّر والتصديق وبيان مقسمهما وهو العلم ، وبما أنّنا لا نعرف أيَّ علم ينقسم إلى التصوّر والتصديق ، وهل هو علم خاصّ ؟ فلنذكر ما هو مرتبط في محلّ الكلام من أقسامه :
القسم الأوّل : العلم الفعلي ، وهو ما يوجد قبل المعلوم .
القسم الثاني : العلم الانفعالي ، وهو ما يوجد بعد المعلوم .
ولتوضيح القسمين نقول : لو علمت أنّ الشيء الفلاني هو كتاب مثلًا ، فهل العلم الذي حصل لك به ، حصل قبل وجوده أم بعده ؟
من الواضح أنّك لا تعلم بالكتاب إلا بعد وجوده . فعلمك انفعال من وجود الكتاب لا أنّه أوجد الكتاب ، ووجود الكتاب أوجد علمك وهو بمنزلة الفاعل له ، والعلم به بمنزلة القابل والمنفعل . فعندنا علوم فعلية بمعنى : أنّ العلم يوجد المعلوم ، كما إذا أراد مهندس أن يصمّم بيتاً ، فيرسم صورته أوّلًا في ذهنه ، ويخطّط له ، ثم يبنيه على طبق مخطّطه ، ومما لا شكَّ فيه أنّه لم يأخذ صورة البيت من الواقع الخارجي ثم تصوّرها في ذهنه ونفّذ تخطيطه على أرض الواقع ، بل علمه فعليّ لا انفعالي من الوجود الخارجي .
وجدير أن نقول : إنّ الله تبارك وتعالى قبل أنْ يخلقَ عالم الإمكان ويوجِد جميع الأشياء ، كان يعلم بصورها العلمية الموجودة لديه ، وكانت حاضرة لديه ، فعلمه سبحانه وتعالى فعلي وليس انفعالياً .
من هنا يتّضح السرُّ وراء تقسيم العلم إلى الانفعالي والفعلي وهو : بيان أنّ علمه تعالى فعليّ ، وأنّ العلم الانفعالي هو الذي ينقسم إلى التصوّر والتصديق .
شرح كتاب المنطق — صفحة 38
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٨