الوجه الأوّل : وهو الذي يعبّر عنه بكلماتهم ببرهان الخُلف ، وبيانه : إنّ للقطع والعلم خصوصيّات - تقدّم الكلام عنها في الحلقة الثانية - ومن هذه الخصوصيات :
1 . خصوصيّة الكاشفيّة .
2 . خصوصيّة المحرّكيّة .
وهاتان الخصوصيّتان تكوينيّتان ، فلا يمكن أن يوجد قطع ولا توجد كاشفيّة ، يعني كاشفيّة المعلوم بالذات ( المعلوم في الذهن ) عن المعلوم بالعرض ( المعلوم الخارجي ) لأنّ كلّ قاطع يرى أنّ قطعه مطابق للواقع فلا يمكن أن يقول القاطع : أنا قاطع ، ولكن لا أعلم أنّ قطعي مطابق أوليس مطابقاً ؛ لأنّ هذا يعني : أنّه ليس بقطع ، لأنّ القاطع يرى مقطوعه موجوداً في الخارج ، وإلّا لو قطع وشكّ أنّه موجود أو غير موجود ، فهذا ليس بقاطع .
بعبارة أدق : خصوصيّة القطع هي الإصابة ، لكن الإصابة ، هل إصابة للواقع أم في نظر القاطع ؟ الجواب : الإصابة في نظر القاطع ، وإلّا لعلّ القطع غير مصيب للواقع ، إذن دائماً القاطع في نظره أنّ قطعه مصيب للواقع .
وإذا تبيّن ذلك نقول : إنّ الجواب المتقدّم الذي قال : إنّ محذور الدور لا يرد - لأنّ القطع المأخوذ في موضوع العلم هو الأعمّ من المصيب ، وعليه فالقطع غير المصيب لا يتوقّف على ثبوت الشيء في الواقع - هو جواب صحيح ، لكن يلزم منه محذورٌ آخر ، وهو محذور الخلف ، يعني : ما فرضته كاشفاً ليس بكاشف ؛ لأنّ القاطع دائماً يرى قطعه مصيب للواقع الخارجيّ .
فإذا قال المولى : « إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة فقد وجبت عليك » ، فإنّ القاطع بهذا الحكم لا يرى : أنّ قطعه هو المولّد للوجوب ، وإنّما يرى : أنّ قطعه كاشف عن الوجوب ، وإذا كان كذلك ، فلا يمكن للمولى أن يشرّع الحكم بوجوب صلاة الجمعة على القاطع للوجوب ؛ لأنّ هذا يعني : أنّ القطع
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 18
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨