تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥

أهل البيت مثلٌ أعلى في العبادات

فإذا اتّضح أنّهم منشأ المعرفة ومنطلق العبادة فإنّ سبقهم وأصالتهم بذلك يكشف عن كونهم مثلًا أعلى في المعرفة الحقّة وفي العبادة الحقّة ، وإذا كان الأمر كذلك فإنّه يتعيّن - بلا فصلٍ - متابعتهم وملازمتهم وعدم الخروج عن طاعتهم ، وهي الطاعة القرآنيّة المسجّلة بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ . . . ( النساء : 59 ) ؛ فهم أولو أمرنا في معرفتنا لله تعالى وفي عبادتنا لله تعالى ، وهذا هو معنى كونهم الواسطة في الفيض في قوس النزول ، وكونهم محلّ عرض الأعمال ورفعها في قوس الصعود « 1 » .
هامش
( 1 ) بيّن السيّد الأستاذ أنّ بين العالم العلويّ والعالم السفليّ قوسٌ نزوليٌّ ، فالقوس النزوليّ يرسم العلاقة بين العالم العلويّ - أي : الصادر الأوّل وما دونه - وبين العالم السفليّ المادّيّ ؛ وأنّ الصادر الأوّل هو المبدأ لعالم الإمكان والعلّة الفاعليّة فيه ، ولكن لا على نحو الاستقلال . وهنالك قوسٌ صعوديٌّ يمثّل السلّم الارتقائيّ والتكامليّ الذي يتمّم لنا رسم العلاقة الوطيدة والأصيلة ، فإنّ العلاقة - في نصف دائرة القوس الصعوديّ - تبدأ وتنطلق من العالم السفليّ باتّجاه العالم العلويّ انتهاءً إلى الصادر الأوّل ، وهذا معنى العود . فكما بدأنا وانطلقنا من الصادر الأوّل فإنّه يتحتّم علينا الرجوع والعود إليه كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( الأعراف : 29 ) ؛ ويُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ ( السجدة : 5 ) . لعلّ النكتة في تسمية القوس - النزوليّ والصعوديّ - بذلك هو أنّ هنالك عمليّة بدءٍ وعمليّة عودٍ ، والبدء هو النزول والصدور من الصادر الأوّل ، والعود هو الرجوع إلى الصادر الأوّل ، فهو مركز وقطب عالم الإمكان ، ولكي يصبح تصوير البدء من نقطةٍ والعود إليها ممكناً مثّل لكلٍّ منهما بنصف دائرةٍ ، وكلّ نصفٍ هو على شاكلة القوس لكي يصطفّ القوسان فيكوّنا دائرةً ، ويكون العود - صعوداً - إلى المبدأ الصدوريّ والنزوليّ متعقّلًا ، وهذا بخلاف ما لو عبّر عن النزول والصعود بخطّ النزول وخطّ الصعود فإنّه لا يمكن تعقّل العود « الصعود » والوصول إلى نفس نقطة المبدأ والنزول . ( انظر : مراتب السير والسلوك ، للسيّد كمال الحيدريّ ) ، فلا خصوصيّة للتعبير بالقوسين سوى أنّهما يقرّبان هذا المعنى ؛ ولذلك يقول صدر المتألّهين : « وقد شبّهت الحكماء والعرفاء هاتين السلسلتين النزوليّة والصعوديّة بالقوسين من الدائرة إشعاراً بأنّ الحركة الثانية انعطافيّةٌ غير مارّةٍ على الأولى » . ( الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، صدر الدين الشيرازيّ : ج 9 ، ص 321 ) .