لكن الأمر بالنسبة إلى الله سبحانه ليس كذلك ، فمهما تعمّقنا من حيث الابتداء لا نصل إلى نقطة كانت ولم يكن الله فيها ، كما لا نعثر من حيث الانتهاء على نقطة تكون ولا يكون الله فيها . والحديث عن الابتداء والانتهاء إنّما يكتسب معناه من خلال حركتنا وعلاقتنا بالزمان والمكان ، حيث ننطلق من نقطة أو لحظة لنرجع إلى نقطة ولحظة وهكذا .
فإذا ثبت عدم محدودية الحقّ سبحانه ، وفقاً لمبدأ الوحدة الحقّة الحقيقية فستثبت أزليّته وأبديّته . إلى هذا المعنى يشير الإمام ( عليه السلام ) في كلامٍ له : " الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه ، وبمحدَث خلقه على أزليّته " « 1 » فإذا كانت مخلوقاته حادثة فوجوده ليس بحادث ، وإلّا لو كان حادثاً أيضاً لاحتاج إلى خالق ، فلم يكن خالقاً بل كان مخلوقاً ، ولم يكن غنيّاً بل كان فقيراً . إذن ، لما كانت مخلوقاته حادثة فهو ليس بحادث ، إذ ليس كمثله شيء .
ومن هذا النصّ العلويّ ( الدالّ على قِدم الله تعالى بحدوث خلقه ) نفهم حقيقة أنّ المراد بالأزلية هو القِدم ، لأنّه هناك جعل القِدم في قبال الحدوث ، وهنا جعل الأزلية في قبال الحدوث .
فالمراد من الأزلية هو القِدم ، لكن ليس القِدم الزمانيّ ، لأنّ الزمان هو للأمور المادّية والجسمانية ، والله سبحانه ليس بمادّة أو مادّي ، وليس بجسم ولا جسمانيّ ؛ لهذا يقول الإمام أمير المؤمنين : " سبق الأوقاتَ كونُه ، والعَدَمَ وجودُه ، والابتداءَ أزلُه " « 2 » .
فلو نظرنا لأيّ موجود لرأينا أنّه كان مسبوقاً بعدم ثم صار موجوداً ، حتى لو قلنا بقدم الفيض كما هو مبنى العرفاء وكثير من الفلاسفة ، بل مشهور
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : الخطبة رقم 152 ، ص 211 .
( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم 186 ، ص 273 .