تصديقيّة يترتّب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنية ، وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ ( كما هو الحال في تأويل القرآن ) وكان غير متجزّ إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله .
خلاصة معنى الآيتين أنّ الكتاب عندنا في اللّوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين ( عليٌّ حكيم ) وإنّما أنزلناه بجعله مقروّاً عربياً رجاء أن يعقله الناس .
فإن قيل : ظاهر قوله : . . . لعلّكم تعقلون إمكان تعقّل الناس هذا القرآن العربي النازل تعقّلًا تامّاً ، فهذا الذي نقرؤه ونعقله إمّا أن يكون مطابقاً لما في أُمّ الكتاب كلّ المطابقة أو لا ؟ والثاني باطل قطعاً ؛ كيف وهو تعالى يقول : وَإنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ وبَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ وإنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتاب مَكْنُون « 1 » ، فتعيّن الأوّل . ومع مطابقته لأُمّ الكتاب كلّ المطابقة ، ما معنى كون القرآن العربي الذي عندنا معقولًا لنا ، وما في أُمّ الكتاب عند الله غير معقول لنا ؟ » « 2 » .
قلنا : إنّ هذا الكتاب الذي جعل بلسان عربيّ مبين متّحد مع ما في اللّوح المحفوظ اتّحاد الرقيقة والحقيقة ، والثابت في البحث الفلسفي أنّ الرقيقة هي الحقيقة بوجود أضعف ، والحقيقة هي الرقيقة بوجود أعلى وأشرف ، وهذا معنى ما أشرنا إليه سابقاً أنّ بين المرتبتين اتّحاداً من جهة واختلافاً من جهة أُخرى ، وإن كان ما به الاختلاف يرجع إلى ما به الاتّحاد ، فهي هي ، وهي غيرها .
هامش
( 1 ) الواقعة : 77 - 78 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 18 ص 84 .