كما يقول : إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ « 1 » ، فليس معناه أنّ الإنسان إذا صعد مرتبة وجودية فقَدَ مرتبته السابقة ، كلّا ، هذا صعود على نحو التجلّي كما أنّ ذاك تنزّل على نحو التجلّي أيضاً .
وبهذا يتبيّن خطل التصوّر الذي يظنّ أنّ آية وَأنْزَلْنَا الْحَدِيدَ تحتاج إلى صرف عن ظاهرها ، فإنّ الحديد شيء ومن ثمّ فله خزائن كما تنصّ الآية صراحةً ، لكن من البديهي أنّ خزائن الحديد عند الله لا تحوي الحديد على النحو الذي يتداوله الإنسان على الأرض ، بل هو هناك بنحو من الوجود وعلى الأرض بنحو آخر ، وتلك حقيقة وهذه حقيقة أُخرى .
نخلص في خاتمة هذه النقطة إلى أنّ التنزّل في الآية الكريمة وما ننزّله هو ليس التنزّل على نحو التجافي ، بل هو التنزّل على نحو التجلّي ، وفيه أنّ الشيء لا يفقد مرتبته العالية بحضوره في مرتبة وجودية أُخرى .
تنصّ الآية في آخرها : وَما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَر مَعْلُوم .
من المباحث القرآنية المهمّة أنّ الشيء كلّما « تنزّل » أي ترتّب في مراتب الوجود من الأعلى إلى الأسفل في نطاق المراتب الطولية للوجود ، تزداد قيوده ، فكلّما ابتعد عن مصدر الكمال المطلق المتمثّل بالحقّ سبحانه كثرت حدوده وزادت نقائصه وقلّت كمالاته ، فإذا كان في أوّل تنزّله فسيكون فيه نحو من الحدّ ، ثمّ إذا صار في التنزّل الثاني
هامش
( 1 ) فاطر : 10 .