فلسفياً هو ذلك المبحوث الذي استطاع إثبات رسوخية التعقّل لأسس ثباته والذي يتأتّى من نابعية التحليل الموضوعي والسؤال المضموني في الفاهمة البشرية .
لا يرى العلّامة الحيدري تخليدية الأعمال وتمثالية الشخوص وتعميمية الأفكار ، بل يذهب إلى ضرورة الحفر في أنظمة المنتج الفكري لتحرّي الصيرورة المعرفية للمصطلح وبواعث تمرحله للوصول إلى فهمٍ ناضجٍ عقلانيٍّ يستند إلى منهجٍ رصينٍ يلبّي طموحات الباحث الفلسفي . يؤمن العلّامة بالارتحال في عالم الفكر ، فهو لا يرى ضرورة تقييد المناهج ورتبانية المفاهيم ، بل تراه يتأتّى على أبستمولوجيةٍ معرفيةٍ نابعةٍ من صيرورة الفكر الإنساني أنموذجاً للتطوّر والتغاير . لقد نهل العلّامة مثاليّة الفلسفة ودورها في إنضاج الفكر الديني من العلّامة الكبير الطباطبائي . فنرى العلّامة الحيدري يهضم تفسير الميزان لأكثر من مرّتين من الجلد إلى الجلد ، كما يقول ، ويتماهى مع الرؤى والمفاهيم الاستدلالية للعلّامة . ولم يقف عند حدّ الاستماع والتلقّي ، بل راح يتعب العلّامة الطباطبائي بأسئلةٍ نابعةٍ من صميم فيلسوفٍ أُشربت الفلسفة في عروقه ، فأخذ يسائل صاحب الميزان ويضعه في الميزان .
الفلسفة بنظر العلّامة الحيدري هي نشاطٌ فكريٌّ يتأتّى من معايشة الواقع الفكري لاستخلاص ماهيّة الأفاهيم التي ترد في ذلك الواقع . فإنّ البحث الفلسفي ليس كلّا قابلًا للاندماج مع كلّ فهم من أفاهيم الواقع ، بل هي حاجة تنبعث من شأنية المفكّر فيها وتتّسم باسم منتجها ؛ تبعاً لإحداثية المستوحى ، مثل جوهر أرسطو ، ودازين هايدغر ، وتفكيكية دريدا ، وكوجيتو ديكارت ، وديمومة برغسون .
إنّ الفلسفة - عند العلّامة الحيدري - ليست تفكّراً سيميائياً أو تأمّلًا ماهوياً يفرض شروط البحث الفلسفي مسبقاً ، بل إنّها إبداع أفاهيميّ - على
المرجع الديني السيد كمال الحيدري (نبذة عن حياته، منهجه، مشروعه الإصلاحي) — صفحة 156
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٦