وهو ليس بالكثير ، خصوصاً في المعاملات والاجتماعيات وشبههما . وهذا الأمر يستلزم إعمال منظومةٍ فتوائيةٍ لا تُبنى على أطلال الأرض الماضوي ، وإنّما تتوالد من رحم الحاجة المعاشة راهناً ، وتتواءم مع ضرورة الانتقاء المعرفي لما هو مطلوبٌ الآن . فمسائل كثيرة مثل الزكاة والخمس والعديد من الأحكام العبادية لا يمكن أن تتقولب بلبوس الماضي لتُركَّب على جسد الراهن ، فإنّ هذا الأمر ينمّ عن جهلٍ في استقراء الواقع . فالموضوعات في تغيّرٍ مستمرّ ، وتمرحلٍ دائم ، الأمر الذي يحتّم على المرجع أن يمعن النظر في مدى صلاحية القوالب الماضوية لمتطلّبات المرحلة .
والمثال الذي يورده العلّامة في هذا الخصوص مثالٌ حيويٌّ وواقعيٌّ نابعٌ من أصل المعتقد . إنّ الحركة الاجتماعية والهدنة التي حدثت في زمن الإمام الحسن عليه السلام يمكن أن تُقرأ من خلال الحركة الجهادية التي قام بها الإمام الحسين عليه السلام . فالظاهر المترائي هو اختلافية العمل وتنوّع التكليف وتغاير المواقف ، إلّا أنّ البعد الزمكني قد لعب دوراً أساسياً ومنهجياً في صياغة كلا الموقفين من هدنةٍ وقيام . فلحاظ الزمكنة كان أمراً أساسياً عند الأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين في إعمال العمل المطلوب وفق راهنية الوضع آنذاك . فلو تغيرت الأزمان وبُدّلت المواقع لترى بأنّ الإمام الحسين عليه السلام قد دخل في الهدنة والإمام الحسن عليه السلام قد جاهد ضدّ الطاغية يزيد . وهذا الأمر يكشف جلّياً الأهمية القصوى والضرورة الملحّة لفهم البعد الزمكني في سيرة أهل البيت عليهم السلام . فكلا الأمرين عند الأئمّة عليهم السلام قد جسّد تشريع السماء وحفظ للأمّة قوامها وللدين بقاءه .
إنّ الوقوف على المنتج المعرفي للفقهاء السابقين - بحدّ ذاته - يعتبر إنجازاً معرفياً لاستقصاء درجات الغور في ثنايا النصّ ودرجة الاستحكام على دلالاته تبعاً للظروف المحيطة به والقابلية العلمية والعوامل المستبقة الفكرية
المرجع الديني السيد كمال الحيدري (نبذة عن حياته، منهجه، مشروعه الإصلاحي) — صفحة 128
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٨