ومن هنا يظهر أن المراد بالهداية الهداية العامّة الشاملة لكلّ شيء دون الهداية الخاصّة بالإنسان ، وذلك بتحليل الهداية الخاصّة وتعميمها بإلقاء الخصوصيات . فإن حقيقة هداية الإنسان
بإراءته الطريق الموصل إلى المطلوب ، والطريق رابطة القاصد بمطلوبه ، فكلّ شيء جُهّز بما يربطه بشيء ويحرّكه نحوه فقد هُدي إلى ذلك الشيء ، فكلّ شيء مهديّ نحو كماله بما جُهّز به من تجهيز ، والله سبحانه هو الهادي » « 1 » .
الاختيار الإنساني ومشكلة تضادّ المصالح
من الخصائص التي تميّز بها الإنسان عن كثير من المخلوقات هي أن الإنسان كائن مختار ، ويعني ذلك أنه كائن هادف أي يعمل من أجل هدف يتوخّى تحقيقه بذلك العمل ، فهو يحفر الأرض من أجل أن يستخرج ماء ويطهي الطعام من أجل أن يأكل طعاماً لذيذاً ويجرّب ظاهرة طبيعية من أجل أن يتعرّف على قانونها وهكذا ، بينما الكائنات الطبيعية البحتة تعمل من أجل أهداف مرسومة من قِبل واضع
الخطّة ، لا من أجل أهداف تعيشها هي وتتوخّى تحقيقها . فالرئة والمعدة والأعصاب في ممارسة وظائفها الفسيولوجية تعمل عملًا هادفاً ، ولكن الهدف هنا لا تعيشه هي من خلال نشاطها الطبيعي والفسيولوجي الخاصّ وإنما هو هدف الصانع الخبير . ولما كان الإنسان كائناً هادفاً ترتبط مواقفه العملية بأهداف يعيها ويتصرّف بموجبها ، فهذا يفترض ضمناً أن الإنسان في مواقفه العملية هذه ليس مسيّراً وفق قانون طبيعيّ
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، ج 14 ، ص 166 ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الثانية .