وعبده وأخلص له وأحسّ بارتباط عميق به قبل أن يصل إلى أيّ مرحلة من التجريد الفكري الفلسفي أو الفهم المكتمل لأساليب الاستدلال . ولم يكن هذا الإيمان وليد تناقض طبقيّ أو من صنع مستغلّين ظالمين تكريساً لاستغلالهم أو مستغَلّين مظلومين تنفيساً لهم ، لأنّ هذا الإيمان سبق في تاريخ البشرية أيّ تناقضات من هذا القبيل . ولم يكن هذا الإيمان وليد مخاوف وشعور بالرعب تجاه كوارث الطبيعة وسلوكها المضادّ ، ولو كان الدين وليد خوف وحصيلة رعب لكان أكثر الناس تديّناً على مرّ التاريخ هم أشدّهم خوفاً وأسرعهم هلعاً ، مع أن الذين حملوا مشعل الدين على مرّ الزمن كانوا من أقوى الناس نفساً وأصلبهم عوداً . بل إن هذا الإيمان يعبّر عن نزعة أصيلة في الإنسان إلى التعلّق بخالقه ووجدان راسخ يدرك بفطرته علاقة الإنسان بربّه وكونه :
فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) .
وفي فترة تالية تفلسف الإنسان واستخلص من الأشياء التي تحوطه في الكون مفاهيم عامّة كالوجود والعدم والوجوب والإمكان والاستحالة والوحدة والكثرة والتركّب والبساطة والجزء والكلّ والتقدّم والتأخّر والعلّة والمعلول ، فاتّجه على الأكثر إلى استخدام هذه المفاهيم وتطبيقها في مجال الاستدلال على نحو يدعم ذلك الإيمان الأصيل بالله سبحانه وتعالى ويفلسفه ويبرزه بأساليب البحث الفلسفي .
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 359
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٩