شيء عدا وجودي وذهني ؛ فليس لي الحقّ بالتسليم بوجود الناس الآخرين لأنهم ليسوا إلا تصوّرات ذهني وفكري
الذاتيّ .
وهكذا تنتهي المسألة إلى مثالية فردانية فظيعة ، فهل كان يمكن لباركلي أن يندفع مع حجّته إلى أقصى مداها ويخرج منها بمثالية كهذه ؟ وإلا فمع من كان يتحدّث ؟ ولمن كان يكتب ويؤلّف ؟ ولحساب من يلقي محاضراته ودروسه ؟ أليس ذلك تأكيداً قاطعاً من باركلي على الواقع الموضوعي للأشخاص الآخرين . وهكذا يتّضح أن باركلي نفسه يشاركنا في عدم قبول الحجّة التي تبنّاها والتصديق ولو لاشعورياً ببطلانها .
يبقى علينا بعد هذا أن نوضّح سرّ المغالطة في هذا الدليل لنفهم السبب في عدم حصول القناعة الواقعية به حتى لباركلي نفسه . وفي هذا الصدد يلزمنا أن نستذكر ما أشرنا إليه فيما سبق من انقسام الإدراك البشريّ إلى قسمين رئيسيين وهما التصوّر والتصديق ، وأن نعرف أن للتصديق ميزته الأساسية على التصوّر ، هذه الميزة التي تجعل من المعرفة التصديقية همزة الوصل بيننا وبين العالم
الخارجي .
توضيح ذلك : أن التصوّر عبارة عن وجود صورة لمعنىً من المعاني في مداركنا الخاصّة ، وهي على ثلاثة أنواع :
* فقد توجد الصورة في حواسّنا فيكون وجودها كذلك مكوّناً للإحساس بها .
* وقد توجد الصورة في خيالنا فيحصل بذلك التخيّل .
* وقد توجد الصورة بمعناها التجريدي العامّ في الذهن ، ويسمّى وجودها هذا تعقّلًا .
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 236
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣٦