مع ارتفاع الصداع في تسع تجارب متتابعة أمر محتمل ، ولكنّه غير محتمل في عشر تجارب متتابعة من أجل العلم بأنّ الصدفة النسبية لا تتكرر في عشر تجارب متتابعة . ونريد أن نبرهن في هذا الاعتراض على أن
هذا العلم ليس علماً عقلياً معطىً لنا بصورة مباشرة بل هو وليد عدد كبير من الاحتمالات ، والبرهان يتركّب مما يلي :
أولًا : إن كلّ علم عقليّ بشيء ( ونريد بالعلم العقليّ العلمَ الذي نحصل عليه بصورة مسبقة على الاستقراء والتجربة ) يؤدّي حتماً إلى العلم بما يلازم ذلك الشيء إذا كان العالم معتقداً بالملازمة بين الشيئين .
ثانياً : إن القضية القائلة بأنّ الصدفة النسبية لا تتكرر في عشر تجارب متتابعة إذا كانت صادقة صدقت القضية الشرطية القائلة : لو وجدت الصدفة النسبية في تسع تجارب فإنها لن توجد في التجربة العاشرة حتماً ، وهذا يعني التلازم بين هاتين القضيتين .
ثالثاً : إنا رغم ميلنا إلى الاعتقاد بأنّ تناول اللبن لن يقترن صدفة بارتفاع الصداع في عشر تجارب متتابعة ، لا نميل إلى الاعتقاد بالقضية الشرطية التي تقول : لو اتّفق في تسع تجارب أن يقترن ارتفاع الصداع بتناول اللبن صدفة فلن يتكرر
هذا الاقتران في التجربة العاشرة .
وفي ضوء هذه الأمور الثلاثة نستطيع أن نعرف أن الاعتقاد بأنّ الصدفة النسبية لا تتكرر عشر مرّات متتابعة ليس علماً عقلياً ، إذ لو كان علماً عقلياً لأدّى إلى الاعتقاد بالدرجة نفسها بالقضية الشرطية الملازمة . وهذا يعني أنا نواجه علماً من نوع جديد وغريب على الذهنية المنطقية التقليدية ، إذ نتعامل مع قضيتين متلازمتين بطريقتين مختلفتين فنعتقد بإحداهما ونشكّ في الأخرى .
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 195
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩٥