أن نعمّم تلك الظاهرة للحالات المماثلة لتلك التي امتدّ إليها الاستقراء والمشابهة لها في كلّ ما ندركه من المقومات التي يمكن أن تكون ذات أثر في تكوين تلك الظاهرة .
ويؤكّد المنطق الأرسطي أن التعميم
الأول ليس صحيحاً من الناحية المنطقية ، إذ ما دامت الحالات التي لم يشملها الاستقراء تختلف في بعض الخصائص الملحوظة والمقوّمات عن الحالات التي استقرأناها ، فليس من حقّنا أن نستنتج استقرائياً أنها جميعاً تشترك في إيجاد ظاهرة واحدة ، لأنّ من الممكن أن يكون اختلافها في الخصائص والمقوّمات سبباً لاختلاف نوع علاقتها بتلك الظاهرة . فإذا استقرأنا مثلًا كلّ أنواع الحيوان البرّي فوجدنا أنها تحرّك عند المضغ فكّها الأسفل ، لم يكن بإمكاننا أن نعمّم هذه الظاهرة ( أي تحريك الفكّ الأسفل عند المضغ ) على حيوان بحريّ كالتمساح مثلًا ، لأنّ التمساح يختلف عن الحيوانات التي استقرأناها في الخصائص والمقوّمات ، فبالإمكان أن يختلف عنها في هذه الظاهرة أيضاً .
قال الغزالي : « ولا يكفي في تمام الاستقراء أن تتصفح ما وجدته شاهداً على الحكم إذا أمكن أن يشذّ عنه شيء ، كما لو حكم إنسان بأنّ كلّ حيوان يحرّك عند المضغ فكّه الأسفل لأنّه استقرأ أصناف
الحيوانات الكثيرة ولكنّه لم يشاهد جميع الحيوانات ، لم يأمن أن يكون في البحر حيوان هو التمساح يحرّك عند المضغ فكّه الأعلى على ما قيل . وإذا حكم بأنّ كلّ حيوان سوى الإنسان فنزواته على الأنثى من وراء بلا تقابل الوجهين لم يأمن أن يكون سفاد القنفذ وهو من الحيوانات على المقابلة لكنه لم يشاهده . فإذن حصل من أن الاستقراء
التام يفيد العلم والناقص
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 163
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٣