فيقول مثلًا : إني أعتقد بأنّ فلاناً مريض لأني رأيت الطبيب يدخل إلى منزله ، أو لأنه كان بالأمس مزمعاً على تناول طعام مضرّ يؤدّي إلى المرض . وإذا رأينا شخصاً يقتحم النار محاولًا الانتحار نجد من حقّنا أن نخبر بأنه سوف يحترق ويموت لأنّ بين اقتحام النار والاحتراق علاقة العلّة والمعلول ، ومادمنا قد شاهدنا العلّة فمن الطبيعي أن نعرف المعلول .
ولكننا نتساءل مرّة أخرى كيف عرفنا هذه العلاقة بين اقتحام النار والاحتراق ؟ والجواب : إن مصدر هذه المعرفة هو
التجربة التي جعلتنا نلاحظ فيما سبق أن اقتحام النار يقترن دائماً بالاحتراق . ومرّة أخرى نتساءل كيف نستطيع أن نعرف أن ما لاحظناه حتى الآن من اقتران بين الاقتحام والاحتراق سوف يتكرّر في المستقبل بالطريقة ذاتها التي لاحظناها في الماضي ؟ إننا بحاجة إلى ما يبرّر لنا المبدأ القائل بأنّ المستقبل يشبه الماضي ، إذ بدون هذا المبدأ لا يمكن لأيّ تجربة أن تعطينا استدلالًا على المستقبل ، فما هو المبرّر لهذا المبدأ ؟
هكذا يضع دافيد هيوم المشكلة ثم يجيب عليها بأنّ المبرّر لهذا المبدأ ليس منطقياً وإنّما هو مبرّر سيكولوجي قائم في الذهن لا في الأشياء ، غير أن هناك نزعة في الذهن تجعله ينبسط على الموضوعات الخارجية ويخلع عليها كلّ الانطباعات الباطنية التي تحدث في عين الوقت الذي تتكشف فيه هذه الموضوعات للحواسّ . فنحن نقذف خارجاً عنّا ذلك التهيّؤ الذي نستشعره في أنفسنا وننقله إلى الموجودات التي تكتنفنا . وإنّ العادة أو بتعبير آخر
تلك النزعة التي ننتقل بها من فكرة إلى أخرى هي التي تجعلنا ننسب للموضوعات ما يجري في
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 106
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٦