توقّف الإفهام على الإطناب أو التكرار لزم ذلك ، وإلّا لزم نقض الغرض ، وهو ممنوع بحقّ العاقل الرشيد ، فضلًا عن الحقّ سبحانه
صاحب القول السديد .
فهل التكرار القرآني واقع لأجل ذلك ؟
هنا ينبغي التنبيه إلى أنّ النصّ القرآني لم تُؤخذ فيه الجنبة التشريعيّة أو الدينيّة فحسب ، وإنّما لُحظت فيه جوانب أُخرى ، من جملتها إن لم تكن أهمّها جانب الإعجاز الأدبي والبلاغى ، الذي جاء ليُعجز بيئة النزول التي طغى عليها الحسّ الأدبي والبلاغى .
فهنالك وظيفة دينيّة وأخرى أدبيّة لوحظتا في النصّ القرآني ، فإذا ما أردنا تحليل ظاهرة التكرار القرآني فلابدّ من مراعاة هاتين الخصوصيّتين ، وهذا واضح .
ولنأخذ شاهداً قرآنيّاً نُقرِّب فيه تحقيق الوظيفتين الدينيّة والبلاغيّة ، وهو قوله تعالى : ( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذَا كُنَّا تُرَاباً أَ إِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
وَأُولئِكَ الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( الرعد : 5 ) ، حيث تكرّرت كلمة ( أولئك ) ثلاث مرّات ، فهل رُوعيت فيها ما التزمنا به من وظائف النصّ القرآني ؟
أمّا الوظيفة الأدبيّة البلاغيّة فواضحة جدّاً ، فالنصّ هنا سوف ينتابه الاضطراب والركاكة بشكل مُلفت للنظر ، بل سوف يحصل خطأ في التعبير ، حيث لا يُعلم من هم أصحاب النار في المقام ، هل هم أنفسهم أولئك الذين أنكروا نبوّة النبىّ صلّى الله عليه وآله وكانت الأغلال في
أعناقهم ؟
وأمّا الوظيفة الدينيّة فتتمثّل بحسب الظاهر ببيان الحكم الشرعي وإيصاله بطريقة لا تكون مشوبة بالخطأ أو الإيهام بذلك ، ومن الواضح بأنّ
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 162
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٢