وبما بيّناه سابقاً اتّضح أنّ التفسير والتأويل علمان مستقلّان رغم أنّ متعلّقهما هو القرآن الكريم ، ولكن متعلّق التفسير هو ظاهر القرآن وألفاظه ، ومتعلّق التأويل هو باطن القرآن وحقائقه الوجوديّة .
فإذا ما ثبت إنكار الإمام عليه السلام على قتادة أو غيره لمجرّد التفسير ، فمن باب أولى يثبت إنكار التأويل أيضاً ، وذلك لأنّ تفسير القرآن وإن كان مندرجاً ضمن دائرة العلوم الحصوليّة إلّا أنّه ذو صلة وثيقة بالمعرفة الحضوريّة كما ستعرف وهذه هي النتيجة الثانية .
وأمّا النتيجة الثالثة والأخيرة التي نريد الانتهاء عندها والالتزام بها ، فهي أنّ هذه النصوص تشير إلى مجالين معرفيّين هما :
الظاهر الحصولي المندرج ضمن دائرة التفسير .
الباطن الحضوري المندرج ضمن دائرة التأويل .
وقبل بيان ذلك لابدّ أن نعرف أنّ قوله عليه السلام : «
مَن خوطب به
» لا يعنى بالضرورة شخص النبىّ صلّى الله عليه وآله أصالةً ، وعترته
الطاهرةعليهم السلام وراثةً ، فإنّ هذه الوجودات إنّما تمثِّل المرتبة الأعلائيّة ، ممّن خوطبوا بالقرآن الكريم ، ونكتة كونهم مخاطبين بالقرآن هو حيازتهم ملاك المخاطبة من قبل الله تعالى سواء كانت بواسطة أو بغير واسطة . وهذا الملاك هو انفتاح قلوبهم الشريفة على عالم الغيب فوقفوا على الحقائق والبواطن فضلًا عن الرقائق والظواهر .
إذا اتّضح ذلك فاعلم أنّ المجال المعرفى الثاني وهو الانفتاح على الغيب ، يوفّر للداخل فيه فرصة المخاطبة بالقرآن الكريم .
بعبارة أُخرى : إنّ من ملك الاستعداد وأهليّة الوقوف على الحقائق الغيبيّة
بعد أن صار قلبه صقيلًا ومزكّى من الشوب ، سوف يكون مخاطباً بالقرآن . هذا ما يتعلّق بالمجال الثاني .
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 144
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٤