لأنّها سير في الكمالات الإلهيّة التي لا نهاية لها ، ولكن التحقّق إنّما هو بقدر السائر لا المُسار فيه ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) ( الرعد : 17 ) . إنّه طريق شاقّ طويل ، أوّله الخروج من تبعات عالم المادّة وحاكميّته ، ولكن
لا آخر له البتّة ، وهو المصطلح عليه بسفر الولاية عند أهل المعرفة
فلا يملك السائر فيه إلّا أن يغلق دائرة سيره أو تُغلَق هي بالفعل لتحوّل تمام استعداده إلى فعل ، فيعود بما تحقّق به ليأخذ موقعه هادياً ومرشداً بقدر ما يسمح له ، وهذا هو حال السواد الأعظم من سالكى طريق الولاية الإلهيّة . وإمّا أن يواصل سيره لعدم نفاد استعداده ، فيمضى والتأوّه لسان حاله : «
آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر
» « 1 » فإن حصلت استعدادات أخرى يولّدها عمل العائد ، فله العود والكرّة مرّةً أُخرى لسفره الثاني بغية التزوّد مجدّداً بالمعارف الحقّة « 2 » .
وأمّا المستوى الثالث ، فذلك نصيب من يرجع إلى الخلق بعد أن انطلق منهم ، ولكنّه عود بالحقّ ، فيبصر بالحقّ ويسمع بالحقّ وينطق بالحقّ ، وبذلك تصطبغ كلّ حركاته وسكناته بالحقّ ، وهذه هي مرتبة الولاية المشار إليها في قوله تعالى في الحديث القدسىّ : «
وإنّه ليتقرّب إلىَّ بالنافلة حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها
» . « 3 » « 4 » وفى هذا المستوى المعرفى الأعلائى وهو ما يصل إليه ورثة الخاتم صلّى الله
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : رقم الحكمة 77 .
( 2 ) ينظر بحث السفر الثاني ، من الخلق إلى الحقّ : ص 120 115 .
( 3 ) الأصول من الكافي : كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين واحتقرهم ، الحديث 7 ، ج 2 ص 352 .
( 4 ) ينظر بحث السفر الثالث في « من الخلق إلى الحقّ » : ص 143 131 .