يجوع يوم القيامة ؛ لأن الخبر عنه أنه قال : «
أطول الناس شبعاً في الدنيا ، أطولهم جوعاً يوم القيامة » .
قلت : هذا [ أي حديث : أطول الناس شبعاً . . . ] ما صحّ ، والتأويل ركيك [ . . . ] . وقد كان معاوية معدوداً من الأكلة ) « 1 » .
المحاولة الخامسة : وهي قائمة على تمييع مفاد الكلمة النبويّة والتقليل من أهمّيتها من خلال اعتبارها سبق كلام من النبي ( ص ) لم يكن مقصوداً بشكل جدّي ، أو هو انسياق منه ( ص ) وراء الأعراف الاجتماعية السائدة في إطلاق أمثال هذه العبارات دون التزام حقيقيّ بمداليلها الحرفية .
قال القاضي عيّاض بن موسى اليحصبي ( ت 544 ه - ) في كتابه « إكمال المُعلِم بفوائد مسلم » ( وهو شرح لصحيح مسلم ) عند وصوله لهذا الحديث ما يلي : ( يُحمل على أنّه من القول السابق إلى اللسان من غير قصدٍ إلى وقوعه ولا رغبةٍ إلى الله تعالى في استجابته ) « 2 » .
وهذا الكلام غريبٌ حقّاً ، إذ سنعرف لاحقاً أن هذه الدعوة النبويّة استجيبت بالفعل وأن معاوية ما شبع بعدها أبداً كما تُجمع على ذلك مصادر التاريخ ، ومنها ما سمعناه في الصفحات السابقة عن ابن كثير . يضاف إلى ذلك أننا حتى لو تنزَّلنا وسلّمنا بقول اليحصبي أن ما قاله النبي ( ص ) مجرّد سبق كلام لم يكن قاصداً لوقوعه ، ولا راغباً في استجابة الله تعالى له ، فما عسى اليحصبي أن يفعل باستجابة الله لهذه الدعوة غير المقصودة كما يخبرنا التاريخ ؛ فهل كانت الاستجابة منه سبحانه غير مقصودة أيضاً ؟ ! تعالى الله عمَّا يقوله
هامش
( 1 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، مصدر سابق : ج 3 ( بتحقيق : محمّد نعيم العرقسوسي ومأمون الصاغرجي ) ، صص 123 - 124 .
( 2 ) اليحصبي ، الحافظ أبو الفضل عيّاض بن موسى ، إكمال المُعلِم بفوائد مسلم ، تحقيق : يحيى إسماعيل ، دار الوفاء ، مصر ، ط أولى ، 1419 ه - - 1998 م ، ج 8 ، ص 75 .