عندما قسَّم رسول الله ( ص ) الغنائم بين الناس أعطى الطلقاء ورؤساء القبائل وأمراءهم « 1 » أكثر من غيرهم ، ولم يعط الأنصار شيئاً ، فقال بعض حديثي السنّ من الأنصار : ( يغفر الله لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ يعطي قريشاً ويتركنا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم ) فاستدعى رسول الله ( ص ) الأنصار وعتب عليهم ، وقال لهم موضّحاً سياسته تلك : « فإنّي لأعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألّفُهم . أمَا ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ؟ فوالله لمَا تنقلبون به خيرٌ مما ينقلبون به » « 2 » .
وعن أنس أنه قال : ( جمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأنصار فقال :
« إن قريشاً حديثو عهد بجاهلية ومصيبة ، وإني أردت أن أجبرهم وأتألّفهم ، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ؟ » ،
قالوا : بلى ) « 3 » .
وهكذا يتّضح من جميع ما تقدّم أنّ حديث ابن حنبل « 4 » عن محاربة معاوية
هامش
( 1 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، مصدر سابق ، ج 7 ، ص 90 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 7 ، ص 92 .
( 3 ) المصدر نفسه : ج 7 ، ص 94 .
( 4 ) وقد ردّد هذه الفكرة لاحقاً ابن تيمية ، جاعلًا من أبي سفيان وابنه معاوية أحد مصاديق قوله تعالى : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ( التوبة : 26 ) ، ومن الواضح أن هذه المحاولة - بعد ملاحظة ما أشرنا إليه أعلاه من دوافع مشاركة هؤلاء وتصريحاتهم في ساحة المعركة وطبيعة دورهم فيها - ما هي إلا تطبيقٌ تعسُّفي لآيات القرآن الكريم على غير موردها . راجع : ابن تيمية ، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني ، مجموعة الفتاوى ، اعتنى بها وخرَّج أحاديثها : عامر الجزّار وأنور الباز ، دار الوفاء ، مصر ، ط 3 ، 1426 ه - - 2005 م ، ج 4 ، ص ص 280 - 281 ، 288 .