هذه هي دائرة الخلاف مع المعتزلة ، وستنطلق المناقشة من خلال مستويين متكاملين ، هما :
1 المستوى العقلي .
2 المستوى النقلي .
1 المستوى العقلي
في الحقيقة هناك وفرة من المنطلقات العقلية التي يمكن من خلالها مناقشة
المعتزلة والردّ عليها . سنمرّ على بعضها من خلال ما يلي :
المنطلق الأوّل : يتمثّل بمناقشة الأصل الموضوعي الذي ارتكزت إليه المعتزلة متمثِّلًا بحاجة الممكن إلى العلّة حدوثاً واستغنائه عنها بقاءً ، كما استشهدوا عليه بعدد من الأمثلة العرفية كعلاقة البناء بالبنّاء ، والكتاب بالمؤلِّف ، والثوب بالخيّاط وهكذا إلى بقيّة المعاليل التي تبدو أنّها توجد وتبقى حتّى بعد انعدام عللها الموجدة لها .
أوّل ما يلحظ على هذا الكلام أنّه يتضمّن خلطاً بين العلّة الحقيقيّة المفيضة للوجود والعلّة المعدّة . فقد جرى العرف العلمي في هذا البحث إلى تقسيم العلّة إلى العلّة الحقيقيّة وإلى المعدّات ، وإطلاق اسم العلل على المعدّات إنّما يأتي تجوّزاً ، وإلّا فهي ليست عللًا حقيقيّة ، بل هي مقرّبات تقرّب المادّة إلى إفاضة الفاعل « 1 » .
هذا المعنى يحويه قوله سبحانه : أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ « 2 » حيث نسب الحرث والعمل في الأرض وإلقاء البذر إلى الزارع ، بيدَ أنّه نسب الإنبات والنموّ حتّى يبلغ الزرع الغاية إلى نفسه . ومعنى
هامش
( 1 ) ينظر في ذلك كمثال : بداية الحكمة ، للعلّامة محمد حسين الطباطبائي ، تحقيق عباس الزارعى ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة السادسة ، 1419 ه ، قم ص 86 .
( 2 ) الواقعة : 64 63 .