على هذا المنوال ساق المعتزلة حشداً كبيراً من الأمثلة استدلّوا من خلالها على حاجة المعلول إلى العلّة في حدوثه لا في بقائه ، حتّى صرّح بعضهم أنّ العالم والوجود إنّما يحتاج إلى العلّة الموجدة الله سبحانه حدوثاً لا بقاءً ، بنحو إذا فرض أنّه يجوز على واجب الوجود العدم ، لما ضرّ عدمه وجود هذا العالم شيئاً ، باعتبار أنّ العالم إنّما احتاج إلى الواجب سبحانه في حدوثه ، أمّا بعد
حدوثه فهو مستغن عن علّته الموجدة بقاءً ، وعندئذ فإنّ عدمه لا يؤثّر على وجود المعلول خارجاً .
هذا المنحى الاعتزالى أشار إليه ابن سينا ونبّه إلى ما ينطوى عليه من وهم ، فكتب في « الإشارات والتنبيهات » ما نصّه : « وقد يقولون : إنّه إذا أوجِد ، فقد زالت الحاجة إلى الفاعل ، حتّى أنّه لو فُقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً ، كما يشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء ، وحتّى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول : لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم ؛ لأنّ العالم عنده إنّما يحتاج إلى الباري تعالى في آن أوجده ، أي أخرجه من العدم إلى الوجود ، حتّى كان بذلك فاعلًا . فإذ قد فُعِل وحصل له الوجود عن العدم ، فكيف يخرج بعد ذلك إلى الوجود عن العدم حتّى يحتاج إلى الفاعل ؟ وقالوا : لو كان يفتقر إلى الباري تعالى من حيث هو موجود ، لكان كلّ موجود مفتقراً إلى موجد آخر ، والبارى أيضاً موجود ، وكذلك إلى غير النهاية » « 1 » . ثمّ ينتقل لتحليل الدعوى والردّ عليها .
على هذا التقت كلمة الباحثين والدارسين قدماء ومعاصرين على أنّ الدليل العقلي الذي أقامه المعتزلة يرجع إلى هذه القاعدة « 2 » .
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، للشيخ أبى على حسين بن عبد الله بن سينا ، في علم ما قبل علم الطبيعة ، مع الشرح للمحقّق نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي ، وشرح الشرح للعلّامة قطب الدين محمد بن محمد أبى جعفر الرازي ، الطبعة الثانية ، قم 1403 ه ، ج 3 ، ص 68 ( النمط الخامس ، الفصل الأوّل ) .
( 2 ) ينظر مثلًا : محاضرات في أصول الفقه ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 78 ؛ الإلهيّات ، مصدر سابق ، ص 669 ، 673 مضافاً إلى المصادر التي ذكرت في الهامش الأسبق .