عند استعراض نظرية « الكسب » أنّها لم تفلح في إنقاذ اللائذين بها من ورطة الجبر ، وأنّ موقفهم يعود ليرتدّ إلى ذات الأساس النظري الذي ينتظم الاتجاه الجبري بمختلف تيّاراته .
ب : أدلّة الإثبات
ما من فكرة تتحرّك في فراغ ، خاصّة إذا كانت تتّصل بالجانب العقدي ، وإنّما تُدعم الأفكار على الدوام بضروب الاستدلال والتنظير . والاتجاه الجبري
لم يشذّ عن هذه القاعدة في الاستدلال على فكرته وحشد مختلف الأدلّة عليها .
بشكل عام يمكن إرجاع ما استدلّت به الأشعرية على منحاها في نسبة الفعل إلى الله دون الإنسان إلى ثلاثة أقسام من الأدلّة هي :
1 الأدلّة العقلية .
2 الأدلّة النقلية التي تتحرّك في إطار الكتاب والسنّة ، مضافاً إليهما أقوال الخلفاء والصحابة ومواقفهم وسيرة السلف بشكل عامّ .
3 القواعد ذات الصلة بالمعرفة التوحيدية ، مثل علم الله الأزلي وإرادته الأزلية وغير ذلك ممّا استندوا إليه في إثبات دعواهم .
بديهي لا يسعنا استعراض جميع ما حشدوه من أدلّة ، إنّما نكتفي ببعض الإشارات إلى هذه الأقسام الثلاثة لكي تتكوّن لدينا صورة كافية بطبيعة التفكير الأشعري في هذا المضمار .
عن الاستدلال العقلي يمكن الإشارة إلى مسعى الفخر الرازي في كتاب « القضاء والقدر » بوصفه يعرض صورة متقدّمة لطبيعة هذا الدليل ومحتواه ، استفاد فيها الرازي من جهود من تقدّم عليه . ففي إطار هذه المحاولة ساق الرازي عشرة براهين عقلية سعياً لإثبات أنّ أفعال العباد كلّها بتقدير الله وأنّ العبد غير مستقلّ بالفعل والترك ، تعرّض لها من خلال ثلاثة مداخل هي :
1 إنّ العبد غير مستقلّ بنفسه في الفعل والترك .