والتكامل وعدم تعارض حقّ لحقّ غيره ، يُمثّل لها الطباطبائي بالنصّ التالي الذي يؤكِّد الحقيقة ذاتها التي نتحدّث عنها : « ليس المراد بنفي التعارض ارتفاع التنازع والتزاحم من بين الأشياء في عالمنا المشهود ، فإنّما هو دار التنازع والتزاحم ، لا يرى فيه إلّا نار يخمدها ماء ، وماء تفنيها نار ، وأرض يأكلها نبات ، ونبات يأكله حيوان ، ثمّ الحيوان يأكل بعضه بعضاً ، ثمّ الأرض يأكل الجميع ، بل المراد أنّ هذه الأشياء على ما بينها من الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهية ويتسبّب بعضها ببعض للوصول إلى مقاصدها النوعية ، فمثلها مثل القدوم والخشب فإنّهما مع تنازعهما يتعاونان في خدمة النجّار في
صنعة الباب مثلًا ، ومثل كفّتى الميزان فإنّهما في تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده لسان الميزان لتقدير الوزن . وهذا بخلاف الباطل كوجود كلال في القدوم أو بخس في المثقال ، فإنّه يعارض الغرض الحقّ ويخيب السعي ، فيفسد من غير إصلاح ويضرّ من غير نفع » « 1 » .
هكذا تنتهى الأطروحة إلى أنّ وجود الشرور النسبيّة والقياسيّة لا تضرّ أبداً ببديع خلق الله ونظامه الأحسن ، ولا تؤثّر مطلقاً على الهندسة الوجودية للكون التي جاءت على أحسن صنع وأتقنه : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ « 2 » .
الأطروحة الثانية : شرّ قليل وخير كثير
إذا ما قورنت الشرور التي تنشأ ملازمة لعالم المادّة وتظهر بالتواؤم مع خلقه وإيجاده ، فستكون قليلة إذا ما قيست إلى الخيرات التي تترتّب عليها . هذه هي الفكرة الأساسية التي تستند إليها الأطروحة الثانية .
ما هو معروف بين الباحثين أنّ أطروحة الشرّ القليل بالمقارنة مع الخير الكثير الذي يعمّ الوجود ، تعود إلى أرسطو الذي عرض أطروحته على النحو
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 339 .
( 2 ) آل عمران : 191 .