ولا وجود للشرّ إلّا بمشيئته وتقديره ، فلا يقوم الشرّ في هذه الدُّنيا بذاته مستقلًّا عن الله « 1 » .
في هذا الضوء لم تكد تخلو حضارة من حضارات الإنسان من تنظير لقوّة الشرّ في الكون والوجود والحياة . فعند المصريّين القدماء اكتسب الشرّ المتمثِّل بالإله « ست » إله الظلام ، صورة الأخ الشرّير والحاكم المغتصب والمفسد الذي يعبث في الأرض الفساد ، ويخرج عن المألوف « 2 » .
أمّا الحضارة الهندية فقد انطلقت من عقيدة تؤمن بأنّ العالم المحسوس شرّ وباطل ، ومن ثمّ فإنّ علاقات الإنسان بهذا العالم وما يربطه به شرّ وباطل مثله ، فالإنسان مدفوع في هذه العلاقة بدوافع الشهوة واللذّة ، و « المرأة » أو « الأنوثة » هي مركز تتجمّع فيه هذه الفتن قاطبة ، فهم يطلقون على العالم المحسوس كلّه أنّه « مايا » أو وهم وضلالة ، ويصوّرون « المايا » في صورة أنثى شديدة الفتنة والغواية ، ويمثِّلون جمال العالم المحسوس بجمال الأنثى التي تستعين بالغريزة الجنسية على خداع المفتونين عن الحقيقة .
كما يبرز في الثقافة الهندية كرمزين للشرّ إسمان أوّلهما « المارا » الذي قيل إنّه وسوس لبوذا ، وألحّ في وسواسه ليشغله عن النسك ويصرفه عن مسلكه في الحكمة ، و « الراكشا » وهى الأرواح الشيطانية . في ضوء هذا التصوّر الذي يتعاطى مع الوجود المحسوس على أنّه باطل وغواية يصرف الإنسان عن مسلك الزهد ، تلخّصت رؤية الحضارة الهندية إلى أنّ الشرّ الكوني هو الشرّ النفسي الذي يخامر الضمير الإنسانى ويزيّن له ترك الحكمة والإقبال علىالأوهام والأباطيل « 3 » .
هامش
( 1 ) إبليس ، مصدر سابق ، ص 232 ، 233 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 251 244 .
( 3 ) إبليس ، مصدر سابق ، ص 258 252 .