نصوص الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، التي أكّدت حقيقة الإتقان في صنع الله ، وأنّ عالم الوجود ونظام الإمكان مخلوق على أحسن وجه وأحكمه ، كما في قوله عليه السلام حين الحديث عن صفات الله تعالى في القرآن :
« قدّر ما خلق فأحكم تقديره ، ودبّره فألطف تدبيره ، ووجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته . . . فأقام من الأشياء أودها ، ونهج حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادّها ، ووصل أسباب قرائنها ، وفرّقها أجناساً مختلفات في الحدود والأقدار ، والغرائز والهيئات ، بدايا ( أي : صنائع ) خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها »
« 1 » . كما جاء في نصّ آخر حديث الإمام أمير المؤمنين عن ابتداع المخلوقين ، حيث قال عليه السلام :
« لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ، ومن أوائل أبدية ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه ، وصوّر ما صوّر فأحسن صورته »
« 2 » .
هكذا يجتمع الدليلان العقلي والنقلي على إثبات مقولة النظام الأحسن الذي يسود الوجود وينبسط في عالم الخليقة الفسيح ، حيث يبلغ الإتقان ذروته وتتبدى الحكمة باذخة وهى تضرب بشعابها في أعماقه وتتدلّى من بين أطرافه ، حتّى سوّغ ذلك للفكر الديني أن يطلق مقولته متفلسفاً : ليس في الإمكان أبدع ممّا كان .
بيدَ أنّ تكاتف الاتجاهين العقلي والنقلي على إثبات النظام الأحسن ، لم يُعفِ العقل الإنسانى من إثارة الأسئلة كما هو شأنه في كلّ مجال يطرقه . فمع
أنّ الإنسان آمن بالله تعالى خالقاً للكون على أساس بليغ حكمته إلّا أنّ مظاهر الشرور الوجودية والطبيعيّة والإنسانيّة التي يزدحم بها الكون من حوله ، وهى تعبّر عن نفسها بمخلوقات تلحق الأذى بحياة الإنسان ، وكوارث طبيعيّة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، طبعة د . صبحي الصالح ، الخطبة 91 ، ص 127 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة 163 ، ص 233 .