ومصالحها الاقتصادية ، ولما يعزّز مكانتها ضدّ معارضيها ، ويوفّر لها ستاراً فضفاضاً من الشرعية الدينية في مواجهة مناوئيها والاستمرار بسياسة التنكيل والبطش ضدّ من لا يصمت منهم .
إنّ الاستغلال السياسي السلطوى للدين وليس الدين هو الذي أملى جواب معاوية لعبد الله بن عمر عندما اعترض عليه نصب ولده يزيد حاكماً من بعده ، حين قال له : « إنّى أحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم ، وأن تسفك دماءهم ، وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم » « 1 » . وكذلك جوابه لعائشة عندما وجّهت إليه الاعتراض نفسه : « إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء ، وليس للعباد الخيرة من أمرهم » « 2 » . والأغرب منه تواطؤ السامعين معه وعدم اعتراضهما عليه خاصّة إذا أخذنا بنظر الاعتبار موقعهما في المجتمع الإسلامي !
الإرجاء والفكر الجبري تحت تعلّة الإيمان بالقضاء والقدر وإن نشآ على عهد بنى أميّة أو بتشجيع كبير منهم ، إلّا أنّ من الخطأ الجسيم أن نتصوّر تخلّى
أخلافهم عن هذا الفكر في الدولة العبّاسية وغيرها من الأطر السياسية التي حكمت المسلمين . والسلطات المعاصرة ليست أقلّ ولعاً من السلطة الأموية أو العبّاسية أو العثمانية في استغلال القضاء والقدر كما أىّ مفردة أو حالة دينية أخرى ، يعضدها على هذا الطريق تحالفها مع الغرب .
فإذا كان التشويه والاستغلال والتوظيف للدين وعقائده تمارسه السلطة المحلّية في السابق ، فهو اليوم عمل مزدوج داخلىّ وخارجىّ ، تلتقى عليه معاً الأنظمة المحلّية والغرب السياسي ، بل حتّى الغرب الثقافي والفكري في العديد من اتجاهاته . فالاثنان ( الأنظمة والغرب ) لا ينزعجان من تحويل الجبر والقضاء
هامش
( 1 ) الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة ، ج 1 ، ص 171 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 167 .