من المنطقي أن يأخذ هذا الفهم بيد الإنسان وهو يدفع به لخوض غمار الحياة والتوغّل في أعماقها باحثاً ومنقّباً عن هذه السنن والنواميس التي أودعها ربّ العزّة والجلال في الأشياء تكويناً ، لكي تشرق الحياة بإنجازات تجىء على عين الله وفى ظلّ توجيهه . التفسير العلّى للقدر يستحثّ الإنسان ويحرّضه لكي يكون في صميم حركة الحياة أبداً باذلًا جهده في اكتشاف مبادئ وأصول ومكوّنات المجتمع والتأريخ والواقع لكي يتلمّس طريقه على بصيرة ، يحذر المنزلقات بمعرفة سنن الله وكلماته . والتفسير السببى للقدر يضع الإنسان في قلب الطبيعة باحثاً عن أسرارها وعن القوانين التي تنتظم العلوم الطبيعية والمادّية ، حتّى يوظّفها لحياته ويحقّق من المكاسب على قدر سعيه .
التفسير العلّى السببى للقدر يضع الإنسانية برمّتها « على خط سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة ( وهذا الخطّ متطوّر قبل الإسلام وبعد الإسلام ، ولن يقف عند مرحلة من المراحل على الإطلاق . والإنسان لن تقف سيطرته بإذن الله جلّ جلاله عند مرحلة من مراحل الاستيلاء على الكون والطبيعة . إن انتهى استيلاؤه على الأرض سوف يفكّر بالاستيلاء على السماء ، في الاستيلاء على كلّ أبعاد الكون ، إذن فهو في نموّ مستمرّ لا ينقطع ولا توضع له حدود معترضة من هذه الناحية » « 1 » .
القضاء والقدر بمفهومهما العلّى السننى يفجّران طاقات الإنسان واستعداداته المكنونة ويحرّضانه على اقتحام الحياة والطبيعة بمعرفة وبصيرة ، بحيث يأخذ نصيبه من هذه الحياة على قدر سعيه ومعرفته وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا
هامش
( 1 ) أهلالبيت تنوّع أدوار ووحدة هدف ، محمدباقر الصدر ، دار التعارف للمطبوعات بيروت ، ص 42 حيث يقدّم الصدر تصوّراً من ثلاثة خطوط تتطوّر على ضوئها الإنسانية ، الخطّ الثالث منها هو خطّ التعامل مع الطبيعة على أساس سببي . وهذا الخطّ مبذول لمطلق الإنسان شرقاً وغرباً ، مسلماً كان أم كافراً ، وساميّاً كان أم آريّاً .