صاحبه قارب الفهم العلّى للقدر وإن استعصت عليه إشكالية العلم الإلهى الأزلي . فقد فسّر القدر بالوجود الموضوعي للأشياء وقوانينه الموضوعية « 1 » ثمّ أوضح : « أنّ قضاء الله النافذ لا يأتي إلّا من خلال كلماته : قَوْلُهُ الْحَقُّ « 2 » ، يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ « 3 » . وكلماته هي الوجود وقوانينه الموضوعية وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً « 4 » ، أي أنّ قضاءه المبرم لا ينفذ إلّا من خلال المقدرات » « 5 » . فعندما أراد سبحانه إهلاك عاد وثمود ومدين « أهلكهم بقضائه ، ولكن كان إهلاكه لهم عن طريق القوانين الموضوعية كلماته » « 6 » .
في هذا الضوء ذهب إلى « أنّ علاقة الإنسان بكتب الطبيعة والتي هي القدر هي علاقة دراسة ومعرفة » « 7 » بحيث كلّما زادت معرفة الإنسان بالقدر ، أي بالقوانين التي تعمل من حوله ، زادت حرّيته . أمّا اجتماعيّاً فقد انتهى للقول : « فإذا حكم الناس إنسان ظالم ، لا نقول هذه إرادة الله وهذا قدر الله والله قضى علينا بكذا وكذا . إن هذا الكلام مناف لأساس الأسس في العقيدة الإسلامية ، لأنّ هذا الأساس يقضى بأنّ المجتمعات الإنسانية تقوم على قوانين موضوعية هي كلمات الله . . . فوعى هذه القوانين الموضوعية هو
الذي يعطينا حرّية الحركة والتصرّف » « 8 » .
مع أنّ مقتضى هذا الفهم أن ينقذ صاحبه من الشبهة العتيدة المثارة حول علم الله الأزلي وعويصة التوفيق بينه وبين الاختيار ، إلّا أنّ صاحبنا وقع بالإشكال معكوساً ! فعلى عكس الجبريّين الذين التزموا الجبر للحفاظ على حريم علم الله
هامش
( 1 ) الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، ص 440 394 .
( 2 ) الأنعام : 73 .
( 3 ) الأنفال : 7 .
( 4 ) النبأ : 29 .
( 5 ) الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، مصدر سابق ، ص 395 .
( 6 ) المصدر السابق ، ص 395 .
( 7 ) المصدر السابق ، ص 412 .
( 8 ) المصدر السابق ، ص 397 .