ملاحظات أخيرة
نودّ أن ننهى هذه الجولة مع القضاء والقدر في تيّارات الفكر الاجتماعي بعدد من الملاحظات ، هي :
1 نحن مع نقد الواقع الاجتماعي لمجتمعات المسلمين وما يثوى خلف هذا الواقع من فهوم خاطئة ، شريطة ألّا يتحوّل هذا النقد إلى سوط لجلد الجماهير وتدمير ثقافتها ومحاكمات من طرف واحد كما هو حاصل الآن في « المذابح » « 1 » التي تعدّ حاضراً تحت عنوان « نقد التراث » . كم هي نافذة الإشارة التي سجّلها أحد الباحثين المناوئين لهذه النزعة التدميرية ضدّ ثقافة الأمّة مذكّراً أصحابها : « لعلّ من العوامل التي ما تزال تحفظ تماسك الأمّة العربية والمجتمعات العربية في وجه جرّافة الحداثة المسخ التي تعمل في الجسم العربي ، هي هذه الثقافة التي ينظّم لها أبناؤها محاكمة من الداخل » « 2 » .
أجل ، نحن مع النقد شريطة أن لا يتحوّل إلى تعلّة لتبرئة الأنظمة المتسلّطة والنخب المتعالمة وإسقاط سطوة الغرب ، كما تفعل بعض التيّارات وهى تحصر مشكلة الواقع ب « الشعب نفسه مدّعية أنّ تخلّفه الفكري وجموده هو السبب الأساسي في هذه الهزيمة ، مسترجعة بذلك الحجّة الاستشراقية الغربية القديمة التي ترجع تخلّف وانحطاط وضع الشرق إلى الخصائص الجمودية والركودية ،
والجبرية التي تميّز شعبه » « 3 » . المطلوب من النقد أن يبنى لا أن يدمّر ، وأن
هامش
( 1 ) هذا المصطلح من إبداع الناقد العربي اللامع جورج طرابشى ، في كتابه : / / مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة ، دار الساقي ، لندن .
( 2 ) إشكالية المرجع في الفكر العربي المعاصر ، عبد الإله بلقزيز ، دار المنتخب العربي ، بيروت ، 1412 ه 1992 ، ص 141 . وفى الكتاب نقاط محورية كثيرة حَرية بالعناية .
( 3 ) مجتمع النخبة ، د . برهان غليون ، معهد الإنماء العربي ، بيروت ، 1986 ، ص 7 . لا تزال الحيوية تنبض في هذا الكتاب رغم مرور قرابة العقدين على صدوره .