تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
بجميع تأثيثاتها المنهجية والتنظيرية صدى لأطروحة أوربية عن الشرق برزت بعد عصر النهضة الأوربى وراحت تتنامى وتعزّز منطوقها بتنظيرات مختلفة مع ازدهار الذات الأوربية وترسّخ سيطرتها الحضارية على العالم . فعند الألماني هاردر ( ت : 1803 ) مثلًا في كتابه عن فلسفة التأريخ البشرى تغدو أوروبا هي موطن التقدّم والحركة ، وأنّها تتميّز عن غيرها من البلدان بالحضارة والتقدّم تميّزاً « طبيعيّاً » تماماً كما نميّز الحيوان عن النبات والإنسان عن الحيوان « 1 » . وفى فلسفة هيغل ( ت : 1831 م ) للتأريخ ثمّ روح معيّنة هي التي تخلق المجتمع والحضارة وتحرّكهما تكمن في أوروبا وذلك بعد أن اختفى الإسلام عن مسرح التأريخ وتراجع في استرخاء وخشوع شرقي « 2 » ! وما دامت فكرة « التقدّم » عند كانت ( ت : 1804 م ) هي القانون العام الذي يحكم حركة التأريخ ، فلابدّ أن تكون أوروبا هي روح هذا العالم بوصفها القارّة المتقدّمة ولاسيّما العنصر الجرمانى . إذا كانت النزعات العرقية عند هؤلاء سعت لإخراج مضمونها في ترسيخ نزعة المركزية الأوربية وتهميش الآخر عبر مركّبات نظرية في فلسفة التأريخ ، فقد ظهرت عند آخرين عارية حتّى من ورقة التوت . فعند مُنتسكيو يقوم التقدّم على العامل الجغرافي ، ما دام الأمر كذلك فهو يقرّر أنّ « الجنوب » موطن الكسل بسبب حرارته وأنّ « الشمال » هو موطن العمل والنشاط بسبب برودته ! أكثر من ذلك ، تسلب الطبيعة الحارّة بمناظرها عقول أهلها وشجاعتهم وتدفعهم في
هامش
( 1 ) ينظر : الإسلام في الفكر الأوربى ، ألبرت حورانى ، الأهلية للنشر والتوزيع ومؤسسة نوفل ، بيروت ، 1994 ، ص 34 فما بعد . أيضاً : مسألة الهوية . . العروبة والإسلام والغرب ، د . محمد عابد الجابري ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ط 2 ، بيروت ، 1997 ، ص 122 . ( 2 ) الإسلام في الفكر الأوربى ، ألبرت حورانى ، مصدر سابق ، ص 37 .