لم يُخفِ هؤلاء الباحثون وغيرهم ممّن تصدّى للموضوع الإشارة إلى أنّ الجانب الأكبر من التعقيد والغموض الذي اكتسبته المسألة يعود إلى الالتباس الناشئ عن تصوّر التعارض بين الحرية والإيمان بالقضاء والقدر . من هذا
المنطلق قدّم الطباطبائي صياغة للمرتكز العلمي الذي تصدر منه إشكالية التعارض ، ممهِّداً لذلك بإشارة إلى عراقة المسألة وتشابك الآراء من حولها ، حيث قال : « ليُعلم أنّ من أقدم المباحث التي وقعت في الإسلام مورداً للنقض والإبرام وتشاغبت فيه الأنظار ، مسألة الكلام ومسألة القضاء والقدر ، إذ صوّروا معنى القضاء والقدر واستنتجوا نتيجته ، فإذا هي أنّ الإرادة الإلهية الأزلية تعلّقت بكلّ شئ من العالم ، فلا شئ من العالم موجوداً على وصف الإمكان ، بل إن كان موجوداً فبالضرورة ، لتعلّق الإرادة بها واستحالة تخلّف مراده تعالى عن إرادته ، وإن كان معدوماً فبالامتناع لعدم تعلّق الإرادة بها وإلّا لكانت موجودة . وإذا اطردت هذه القاعدة في الموجودات وقع الإشكال في الأفعال الاختيارية الصادرة منّا ، فإنّا نرى في بادئ النظر أنّ نسبة هذه الأفعال وجوداً وعدماً إلينا متساوية ، وإنّما يتعيّن واحد من الجانبين بتعلّق الإرادة به بعد اختيار ذلك الجانب ( من قبل الإنسان ) . فأفعالنا اختيارية والإرادة مؤثّرةٌ في تحقّقه سببٌ في إيجاده ، ولكن فرض تعلّق الإرادة الإلهية الأزلية المستحيلة التخلّف بالفعل يُبطل اختيارية الفعل أوّلًا ، وتأثير إرادتنا في وجود الفعل ثانياً » « 1 » .
لقد واجه الفكر الإسلامي هذه الإشكالية بحلول ومعالجات تنوّعت بتنوّع المنطلقات المعرفية والمنهجية ، وتوزّع فيها المسلمون إلى اتجاهات وفرق ، ومع أنّ الجميع سعى لأن يقدّم لقراءته بأدلّة مستمدّة من القرآن والسنّة ، إلّا أنّ ذلك لم يمنع اختلاف أقوال العلماء ونظراتهم بين المتكلِّمين والفلاسفة والعرفاء ، مضافاً إلى التنوّع المعرفى داخل الإطار المنهجي الواحد . فالمتكلِّمون
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 98 97 .