إلى قراءة مغايرة للقراءة الأشعرية . لقد تصوّر المعتزلة أنّ إثبات الفاعلية لله سبحانه معناه نفي فاعلية الأسباب الطبيعيّة ، ولمّا كانت فاعلية الأسباب الطبيعية هي أمر وجدانيّ تجريبيّ ثابت فقد لجؤوا إلى نفي فاعلية الله .
فمنطلق الفريقين إذن يكمن في نقطة واحدة تتمثّل بالعجز عن الجمع بين الفاعليّتين ، فأفضى بالأشاعرة أن يختاروا إثبات الفاعلية الإلهية في مقابل نفي فاعلية الأسباب الطبيعية ، بينما اختار المعتزلة الإيمان بفاعلية الأسباب الطبيعيّة وإنكار الفاعلية الإلهية ، وذلك من خلال الإيمان بأنّ الأسباب الطبيعيّة تحتاج إلى الله في حدوثها فقط ، أمّا في بقائها وإيجادها للأشياء فهي مستغنية عنه سبحانه .
وهذه هي نظرية أنّ المسبَّب محتاج إلى العلّة حدوثاً ، أمّا بقاءً واستمراراً فغنيّ عنه سبحانه . إذن فالله خالق كلّ شيء حدوثاً ، أمّا بقاءً فإنّ الأسباب الطبيعية هي التي تمارس مهمّة الإيجاد والتأثير .
إذا كان الأشاعرة والمعتزلة يتّحدان في المنطلق متمثِّلًا بالعجز عن صياغة مركّب نظري يجمع بين الفاعليتين الإلهية والطبيعيّة ، فإنّهما يشتركان أيضاً في الإشكالية المنهجية التي أوقعتهما بهذا الالتباس . فالأشاعرة إنّما لجؤوا إلى إنكار السببيّة هرباً من أن يكون للفعل الواحد فاعلان ، أي توارد علّتين على معلول واحد ، والمعتزلة لجؤوا إلى إنكار الفاعلية الإلهية بقاءً واستمراراً لئلا يلزم من ذلك اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد .
الإنسان بين الجبر والتفويض — صفحة 33
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٣