والأحدية ينفذ نوره في أقطار السماوات والأرض ، ولا ذرّة من ذرّات الأكوان الوجودية إلّا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها ، وهو قائم على كلّ نفس بما كسبت ، وهو مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة « 1 » وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ ( الزخرف : 84 ) . وهذا المطلب الشريف الغامض اللطيف ممّا وجدوه وحصّلوه بالكشف والشهود عقيب رياضاتهم وخلواتهم ، وهو ممّا أقمنا عليه البرهان مطابقاً للكشف والوجدان » « 2 » .
بعد هذه المقدّمة التي لا يهمّنا فيه ما ذكره من أنّ بعضهم أحرزها بالكشف والشهود بعد العبادة والتزكية ، بل يهمّنا طبيعة البرهان الذي يقيمه دليلًا على صحّة الدعوى ، لأنّ ما يصل إليه الإنسان بالكشف والشهود يعدّ شأناً ذاتياً لا حجّية له ولا إلزام على الآخرين إلّا بقدر ما يصحّحه البرهان ويقوّمه الدليل ؛ بعد ذلك كلّه ينتقل الشيرازي إلى تقديم تفسيره للأمر بين الأمرين على أساس أصول مدرسة الحكمة المتعالية ومرتكزات العرفان النظري في هذا الخطّ . يقول : « كما أنّه ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه ، كذلك ليس في الوجود فعل إلّا وهو فعله ، لا بمعنى أنّ فعل زيد مثلًا ليس صادراً عنه ، بل بمعنى أنّ فعل زيد مع أنّه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعل الله بالحقيقة ، فلا حكم إلّا
هامش
( 1 ) إشارة إلى مضمون كلام للإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيه :
مَعَ كُلِّ شَيْء لَا بِمُقَارَنَة ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْء لَا بِمُزَايَلة
( نهج البلاغة ، الخطبة الأولى ) .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 6 ، ص 372 - 373 .