فكلّما كانت قابلية التكيف ، والقدرة على التأقلم لدى الإنسان مع الطبيعة والحياة أكثر ، كلّما استطاع هذا الإنسان أن يحفظ نفسه ، ويقيهاالأخطار ، ويدفع عنها المشاكل والصعاب .
ومن هذه الحقيقة الموضوعية تنبثق الحضارات ، وتنطلق في مسيرها نحو التقدم لدى جماعة من الناس ، بينما ينهارآخرون ويضمحلّون أمام الأخطار ، وبكلمة بسيطة فإن حضارة الإنسان إنما هي وليدة قابليته وقدرته على التكيف معالظروف المحيطة به .
مثال من التاريخ
ولنضرب مثلًا على ذلك من واقع التاريخ ؛ ففي الهلال الخصيب ( بلاد الرافدين والشام ) كان الإنسان يعتمدفي زراعته على الديم ؛ أي الأمطار . فالأرض خصبة ، ومياه الأمطار متوفّرة ، ولكن وبمرور الزمن حدثت تغيراتجوية سببت موسمية الأمطار ، وانحسار كمياتها ، فلم يكن أمام المزارع في هذه الأرض سوى طريقين ، عليه أن يختارأحدهما ؛ إما أن يجلس في بيته ويستسلم لخطر الجفاف الذي يهدد حياته ، وإما أن يستمرّ في ممارسة الزراعة ، ويتحدىبذلك الأخطار الطبيعية . ولكن ابن هذه الأرض اختار السبيل الثاني ، فراح يعتمد طريقة الإرواء ، وتنظيم قنواتالمياه ، ولعلّ الحضارة الأولى التي أقيمت في الكرة الأرضية كانت في هذه المنطقة كما يستشف من المعلومات والآثار والاكتشافات التاريخية ، فإنسان بلاد الرافدين استطاع بهذا الأسلوب أن يتحدى أخطار الطبيعة ، ويبني الحضارةوالوجود الإنساني .
مثال من الحاضر
واليوم تواجه بعض بلدان أفريقيا مشكلة تهدد الوجود الإنساني فيها ، ألا وهي
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 76
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٦