فيتراشق وإياه بالكلمات والاتهامات ، فيتحول إلى نزاع ، ثم إلى معركة يستنجد بها كل طرف بقبيلته أو جماعته ، فتشتعل الحرب الضارية بين الطرفين ، فتحيل الحضارة والمدنية التي شيدها إلىأنقاض ورماد . هذا الإنسان هو الذي يخرب بيته بيده فيتسافل بعد أن خلقه اللَّه سبحانه وتعالى عظيم الشأن والمنزلةإلى مرتبة أدنى من مرتبة ومقام الحيوانات ، لأن الحيوانات قد تأكل بعضها بعضاً بحثاً عن رزقها وطعامها الضروريوالحياتي ، إلا أنها لا تنهش كياناتها وتجمعاتها ، غير أن هذا الإنسان يتسافل في حيوانيته لينهش لحم أخيه ويدمروجوده وحضارته . . ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) . . ما هو العملالصالح ؟ فالبعض يفسره بأداء الصلاة أو الصوم أو الحج وباقي الفروع العبادية ، إلّا أنني اعتقد أن هذا إيمان وليس عملًاصالحاً ، إنما العمل الصالح هو الذي له منفعة ومصلحة للأمة وللمجتمع . فالكاسب والكادّ على عياله الذي يذهب إلىالسوق ويحترف التجارة ويحصل على المال الحلال فإنه يعمل عملًا صالحاً ، فكسب المال إذاً كان الهدف منه إشباعالعيال وخدمة المجتمع ، فهو عمل صالح ويؤجر المرء عليه لما يقدم خدمة للمجتمع وللآخرين .
وقد روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال :
( من سعادة المرء المسلم الزوجة الصالحة ، والمسكن الواسع ، والمركب البهي ، والولد الصالح ) « 1 » .
ومن كلام لأمير المؤمنين الإمام عليعليه السلام بالبصرة ، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي - وهو من أصحابه - يعوده ، فلما رأى سعة داره ، قال :
( ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج ؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة ، تقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتُطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذاأنت قد بلغت بها الآخرة ) « 2 » .
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 73 ، ص 155 .
( 2 ) - نهج البلاغة ، خطبة رقم 209