من بعده وأنتم ظالمون ) .
قال الإمام عليه السلام : كان موسى بن عمران عليه السلام يقول لبني إسرائيل : إذا فرج الله
عنكم وأهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من ربكم ، يشتمل على أوامره ونواهيه
ومواعظه وعبره وأمثاله .
فلما فرج الله تعالى عنهم ، أمره الله عز وجل أن يأتي للميعاد ، ويصوم ثلاثين يوما
عند ، أصل الجبل ، وظن موسى أنه بعد ذلك يعطيه الكتاب .
فصام موسى ثلاثين يوما [ عند أصل الجبل ] فلما كان في آخر الأيام ( 1 ) استاك ( 2 )
هامش
1 ) " آخر اليوم " البحار .
أقول : لم يقل " أواخر " ولا " آخر جميع " الأيام ، ولا " فصام ثلاثين يوما في آخر
الأيام " . وعلى الجملة فلا دلالة على أنه استاك غير اليوم الأخير ، ولا على أن السواك
أفطر صيامه . وأما أنه قال : " يصوم عشرا اخر " لا يوما واحدا ، ولا ثلاثين يوما ، فليس
لنا في حكم الله أن نقول : لماذا يصوم عشرا اخر كما يكون في كفارة الافطار في رمضان
أو قضائه ستين يوما ، أو دونه ، فراجع وتدبر .
2 ) لا ريب أن موسى عليه السلام وجد اثر صيامه خلوفا في فمه ، وزعم أن الخلوف غير
طيب ، وينافى مناجاة الله تعالى ، فقال : " اجلك عن المناجاة لخلوف الصائم " فاشتغل
بالاستياك عن مناجاته اجلالا له عز وجل .
ويظهر من قوله تعالى " أما علمت " أن موسى عليه السلام وقت ذاك لم يتذكر أن خصوص
هذا الخلوف - اثر الصيام - عند الله أطيب .
قال الصادق عليه السلام : أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام : ما يمنعك من مناجاتي ؟
فقال : يا رب اجلك عن المناجاة لخلوف فم الصائم . فأوحى إليه : لخلوف فم الصائم
أطيب عندي من ريح المسك . انظر : الكافي : 4 / 64 ح 13 ، ومن لا يحضره الفقيه :
2 / 76 ح 1779 ، وفضائل الأشهر الثلاثة : 121 ح 122 .
بقي الكلام في أن الرواية تنافى ما اتفق على أن السواك ممدوح ، وأن الصائم يستاك
ولا بأس به . .
أقول : بيان ذلك أنه روى أن
السواك والطيب من سنن المرسلين ، وأنه مطهرة للفم مرضاة للرب ، ومفرحة للملائكة
وأن المصلى ما دام يكون في الصلاة فهو واقف بين يدي الله تعالى يناجيه .
وأنه كان نبينا صلى الله عليه وآله يستاك لكل صلاة ، وقال : لولا أن أشق على أمتي لامرتهم
بالسواك . مع أن السواك سنة للوضوء ، ولكل صلاة ، وعند قراءة القرآن ، كما قال
صلى الله عليه وآله : " نظفوا طريق القرآن . قيل : يا رسول الله وما طريق القرآن ؟ قال :
أفواهكم . قيل : بماذا ؟ قال : بالسواك " .
وبالجملة : لا ريب اذن في فضل الاستياك ، وأنه تطيب ، ولا يتطيب ريح المستاك بمثل
ريح المسك . ولكن في هذه الرواية - مؤيدة برواية الكليني في الكافي المتقدم ذكرها
نكتة مهمة في خطاب موسى عليه السلام : " أما علمت أن خلوف فم الصائم - بما هو صائم -
أطيب عند الله - في مناجاته لا عند الناس - من ريح المسك " .
ففي هذا تصريح بأن لهذا الخلوف فضلا واختصاصا لا يناله فضل التطيب بالاستياك والمسك .
كيف لا وخلوف فم الصائم اثر اصطباره لعبادة ربه وشعاره فيما أمسك وأجهد بنفسه مخلصا .
الا ترى في قوله تعالى : " سيماهم في وجوهم من أثر السجود " الفتح : 29 دلالة واضحة
على مطلوبية أثر السجود ، وصفرة الوجه من أثر قيام الليل واحيائه بالعبادة ، وأما سمعت
فضل زيارة الحسين عليه السلام للمسافر القادم وهو شعث أغبر على من زاره متطيبا .
فالحاصل أنه لا منافاة بينهما ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
واما قوله : " هل يستاك الصائم ؟ قال لا بأس به " فان ظاهر سؤال السائل أنه لا يحتمل
وجوبه بل منعه ، فيريد هل يفطر الصائم أم لا ؟ فالجواب " أنه لا بأس به " فتدبر واغتنم .