الطيران ، وطوَّرا تجاربهما - حينذاك - ساعدهما وجود المحرك ثم وجود المواد الخفيفة الصلبة البناء ( التي حصلت البشرية منها على قدرة حصان واحد مقابل كل رطل واحد من وزن المحرك ) ، إن هذه التجارب المتنوعة التي سبقت تجربة أخوان رايت ، أعطت الطائرة مناخًا مناسبًا للظهور ، فأصبحت ميزة العصر الحديث . وهذا يهدينا إلى أن العقل يعرض نتيجة الحس على التجارب الماضية ليمحصها .
ولولا وجود عقل موازن عند الإنسان لما استطاع أن يستغل تجارب غيره أبدًا . إن العقل الموازن يحكم بأن ما فشل فيه إنسان واحد فإنه يستحيل أن ينجح فيه الآخرون ، وبالعكس ما نجح فيه هو فسوف ينجح فيه كل إنسان . ولذلك فإن العالم الخبير يقوم بعد كل ملاحظة بطرد آلاف الاحتمالات التي تتراءى أمامه ، لمعرفته المسبقة بأنه قد ثبت بطلانها في تجارب غيره . . . ونستطيع تلخيص المهمة الثانية التي يقوم بها العقل عند تمحيصه نتائج الحس بأنها : ( موازنة الحس بتراث البشرية العلمي ) .
إن العقل هو الذي يهدي إلى ضرورة هذه الموازنة وهو الذي يدلنا على نوع التجارب التي ينبغي أن توازن بها التجربة الجديدة . وأخيرًا هو الذي يعطينا حاسة الكشف عن أقرب التجارب إلى الحقيقة لدى اختلاف التجارب . ترى بماذا يفسر كل ذلك الحسيون ؟ من هنا جاء في الحديث عن أمير المؤمنين ( ع ) : «
الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ
» « 1 » .
3 - القفزة العلمية :
أهم ما يحصل بالعقل هي القفزة العلمية ، والمثال التالي يوضحها :
يقوم الطفل بطرح فلز في الماء ، فيستقر في القاع ، ورأسًا يتنبه إلى أن مطلق الفلز لا يستقر فوق الماء - أي ماء كان - هذه هي القفزة العلمية حيث استنبط الطفل من تجربته حكمًا عامًّا .
ونحن لم نجرب طيلة حياتنا إلَّا بعض التجارب البسيطة ، بيد أننا نملك عدة قوانين عقلية لأن تلك التجارب قفزت بنا إلى مستوى معرفة قوانين عامة بحيث لا نرتاب في صحتها . وهذه العملية ، التي لا تخضع لحساب ، هي التي زوَّدت البشرية بالكميات الضخمة التي تملكها من المعلومات عن الكون . ونحن نضحك حتى الأعماق حينما تُروى
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 74 ، ص 208 ، في وصية الإمام علي لابنه الإمام الحسن ( ع ) .