الأمين . . الحكيم :
وحيث عرف أهل مكة فيه هذا السموّ الخُلقي والنبل المعنوي ، فقد ائتمنوه على أمورهم ، وسلَّموا إليه ودائعهم ، كما أفشوا إليه أسرارهم ، واستشاروه في قضاياهم الخاصة ، فكان يُعرف بينهم بالأمين وبالصادق الحكيم .
أما ما يخصّ أمر كفيله أبي طالب ، فقد كان النبي وفياً له ، برًّا به . فلقد كان أبو طالب فقيراً مُعيلًا ، حيث إنَّه كان سيِّداً يتحمل مسؤوليات السيادة الخطيرة التي كانت تحتاج إلى المال قبل كل شيء ، وكانت موارده قليلة جدًّا ، فلذلك أخذ النبي يفكر منذ صباه في طريقة للعيش يُخفِّف بها مسؤولية الكفالة عن عمه أبي طالب .
فاشتغل برعي الغنم شأن صبيان العرب في مكة ، بفارق أنه كان يتأهل بذلك لمسؤولية الرسالة أيضاً ، وذلك أنه ما بعث الله نبيًّا إلَّا وقد كان راعياً في يوم من أيام حياته ! .
ومرّت الأيام ، وشبّ النبي صلى الله عليه وآله ، ولم تعد هذه الطريقة لائقة به في مثل سنّه ، فأخذ يمارس التجارة . ثم سعى عمه في إرساله بتجارة إلى الشام تخص السيدة خديجة بنت خويلد ، المرأة الثرية التي كان يُتاجر بأموالها كثيرون من سكان مكة ، على أن يكون الربح بينها وبينهم ، فتمَّ له ذلك .
وحينما ذهب النبي صلى الله عليه وآله في هذه الرحلة التجارية ، كان من أوفق التجارات التي تمت بمال خديجة إلى ذلك الحين . وقد كان ظهر من النبي صلى الله عليه وآله في تلك الرحلة معاجز كثيرة ، لما قُصَّتْ على خديجة