هذا المنطق بأنه نظم مسيرة الفكر الإنساني في قبالة التطرف والفوضى والسفسطة . ولكنه من جهة أخرى ، قيد هذا الفكر بتركيزه الكبير على الجانب الصوري منه ، أي انه لم يحاول البحث عن مصدر الأفكار بمقدار ما كرس بحوثه حول علاقة الأفكار ببعضها ، وكان مثله مثل من يبذل جهده في جمع الأعداد وتفريقها دون أن يفكر فيما وراء هذه الأعداد من حقائق تدل عليها .
فمنطق أرسطو الشكلي ، بإهتمامه بشكل التفكير واغفاله عن البحث عن مادة التفكير وموضوعه ، سبب تناسي دور السلبيات البشرية التي تدعو إلى الضلالة ، كما تناسى دور العقل في تحدي هذه السلبيات . ولذلك لم يوفق هذا المنطق في إعطاء الإنسان مزيدا من التقدم الفكري .
وبسبب من تأثير المنطق الأرسطي الشكلي ، والذي يبرز فيه جانب الإطلاق والعموم ، انطبع المفكرون في القرون الوسطى بطابع الإطلاق وسرعة انتزاع الكلي من جزئيات صغيرة .
فكان يكفي الواحد منهم أن يلاحظ عدة أحداث جزئية . . . حتى يحكم بكلي يشمل ملايين من أمثال تلك الأحداث .
ثم تحول المفكرون إلى الاعتقاد بأن المنطق الأرسطي طريق الوصول إلى الحقائق ، غافلين عن انه منهج للتفكير . . والتفكير هو الطريق . . فأخذوا يركبون القياسات بعضها فوق بعض لعلهم يقفون عليها ليروا الحقائق جميعا .
ان القوالب الفكرية تحولت عند هذا الفريق ، إلى أفكار استغنوا بها عن التجربة . بل زعموا انها تغنيهم حتى عن عقولهم . . وهكذا لفهم الجمود .
وخلاصة القول ، ان منطق أرسطو بالرغم من تنظيم الفكر ، ابتلي بثلاثة نواقص :
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 61
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦١