ثالثا : والفكرة ( ناشئة العقل والعلم ) تتميز بخصائص كالتالية :
أ - بأنها ثابتة جازمة لا تقبل الريب إذ إن ذاتها الكشف ومشاهدة الواقع ومباشرة وجدانه ، وكيف تجد النفس الواقع ثم تتشكك فيه ؟
ب - وهي شاملة لا تخصص ، فإذا كانت الرذيلة قبيحة عند العقل ، فلن يكون هناك فرق بين الناس الذين تصدر منهم الرذيلة ، أن يكونوا من الكبراء أو من المستضعفين ، من عرق أو آخر ، في عصر أو آخر .
ج - إن أحكام العقل تتفق عليها عقول الناس جميعا .
فالعقل هو العقل عند أي إنسان كان ، ولذلك فهو حجة بين العباد - كما جاء في حديث مأثور - دعنا نذهب أنى شئنا فسوف لا نجد الفضيلة في الخيانة والنفاق ، وإيثار النفس على الآخرين كما لا نجد الرذيلة في التضحية والإباء والشجاعة والكرم .
رابعا : لا تتطور أحكام العقل بتطور الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفسيولوجية ، لأن أحكام العقل كاشفة عن الواقع كما تكشف المرآة عن الأشياء . فكما أن تطور الأشياء لا يغير من كشف المرآة ، بل تظل المرآة ثابتة ، كذلك تطور الحياة ، لا يعني ان العلم يتطور أيضا .
وكلمة أخيرة ؛ النصوص الإسلامية تحدثت طويلا عن العقل وجنوده ، والجهل وجنوده ، لكي يستوضح الإنسان رؤيته ، عما تجري داخل ذاته ، من تصارع العقل والهوى ، والعلم والشهوات ، وذلك لأن التنبه الذاتي إلى مصدر الفكر الصحيح الداعي إلى الخير والموضح للحق ، والرادع عن الطيش والباطل ، ثم إلى مصدر الفكر الباطل الداعي إلى الشر ، والجهل ، والطيش والضلال .
أقول التنبه الذاتي إلى مصدر كل واحد من الفكرتين سيعطينا مقياسا واضحا للفرق بين العلم والجهل .
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 195
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٥