وابن رشد الذي كان يعارض المتكلمين ويزعم أن نظرية الفيض متأثرة بهم ، وكان يفترض وجوب الممكنات كلها ، يرد نظرية التقسيم الثلاثي للأشياء بعنف ويقول :
واستنادهم إلى مقولة الإمكان ، وإن كل جزء ممكن من أجزاء العالم فله موجب لإثبات وجود الله أو واجب الوجود بذاته ، يؤدي إلى ممكن ضروري ، وليس إلى ضروري لا علة له ، أي إذ فهمنا أن الممكن ما له علة لزم أن ما له علة فله علة ، وأمكن أن نضع أن تلك لها علة ، وأن يمر إلى غير نهاية ، فلا ينتهي إلى موجود لا علة له .
وأما قوله بممكن بذات ، واجب بغيره ؛ فهو خطأ وفي غاية السقوط ، لأن الواجب كيف ما فرض ؛ ليس فيه إمكان ، وإلا كيف يكون الشيء واجباً وممكناً ، لأن الممكن يقتضي الواجب ، ثم أن الممكن في ذاته وفي جوهره ليس يمكن أن يعود ضرورياً من قبل فاعله ، إلا لو انقلبت طبيعة الممكن إلى طبيعة الضروري « 1 » .
وبالرغم من أنا لا نوافق ابن رشد في كل كلامه ، إلا أن بيانه لتهافت نظرية التقسيم الثلاثي قوي ومعقول .
ثانياً : الواحد لا يصدر عنه إلا واحد
والمبدأ الثاني لنظرية الفيض والذي يعتبر جوهرياً أكثر من البند الأول هو :
أن الواحد لا يصدر عنه مباشرة إلا واحد ، ويجوز إذا تعددت الوسائل .
والقسم الأول من النظرية هو المجمع عليه لدى الفلاسفة وكثير من المتكلمين ، وأما القسم الثاني فإنه مورد هجوم خصوم النظرية وبعنف عليها .
وعلينا أن نتناول وبشيء من التفصيل قسمي النظرية في هذا البند .
أ - الواحد لا يصدر عنه إلا واحد
وهذا المبدأ هو الذي ادخل الفلاسفة في زنزانة ضيقة ، وعمق في أذهانهم الإشكالية الثانية .
هامش
( 1 ) ( ) المصدر ، ص 142 ، عن ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة مكتبة الأنجلو 1955 .