ونقول : إننا لا نعلم إلا ظاهراً من الأمر ، وهو تحريك القاتل والرامي آلته الحربية باتجاه عدوه ، ولا ننسى أن هذا التحريك كان في وسط ملايين السنن الإلهية التي لولاها لم يتم شيء ، وأن نسبة فاعلية البشر إلى فاعلية تلك السنن ضعيفة جداً جداً ، مما تجعل السياق ينسب الفعل إلى الله للدلالة على تلك المعادلة . وإنك لو تأملت في قوله سبحانه : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى لتذكرت أن الله لم ينف فعل الرامي - بوجه مطلق - من الرامي إذ عاد فأثبته بقوله ( إذ رميت ) ولكنه سبحانه بين أنه هو المؤيد بنصره والمسدد لرميه العبد ، فهو الرامي الحق .
وهكذا ترى الآية صريحة بوجود ثنائية في دار التحقق ، الله وعبده ، وليس وحده كما يزعمون .
4 - قال الله سبحانه :
سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( فصلت / 53 )
قالوا : ماذا تعني شهادة الله على كل شيء ؟ إن معناها : إنه وجود كل شيء ، فهو الذي يجعله مشهوداً .
ونقول : ونحن أيضاً نقول : إنه لولا خلق الله لما كان شيء ، فهو الذي جعله مشهوداً . ولكن هل الآية تعني أن كل شيء هو الله ، أم تعني أن كل شيء مخلوق الله . ولو تدبرنا في الآية لتبصرنا : أن السماوات والأرض كما النفس البشرية ، حقاق موجودة ومشهورة ، وهي بما فيها من سمات الكمال . ودلائل الحاجة ، آيات الله .
5 - قال الله سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( الفتح / 10 )
ولست أعرف وجهاً لاستدلالهم بهذه الآية ، إلا قوله سبحانه : يد الله ، ونسبة اليد إلى الله بمعنى قوته وقدرته ، والآية عموماً تدل على أن بيعة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمنزلة
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي) — صفحة 247
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٧