الشرع تهمة التجديف ، وأصدر عليه حكماً يفرض العقوبة التي نص عليها القرآن في سورة ( المائدة آية 22 ) وسرعان ما صدقه الخليفة « 1 » .
التصوف بعد الحلاج
لقد فجر مقتل الحلاج الصراع بين أهل الباطن وأهل الظاهر ، وعرف أهل الباطن - من متصوفة المسلمين - أن جذور الإسلام أقوى من شطحاتهم ، وأن ثمن القول بالاتحاد بالله العظيم ، وادعاء الألوهية قد يكون الموت واللعنة ، فاحتمى بعضهم بكهف الجنون ، خوفاً من اللحاق بالله عبر قنطرة الموت ، مثل البسطامي والشبلي ، حيث اعترف الأخير أنه لولا تظاهره بالجنون لكان مصيره مصير الحلاج .
إن الصوفية المغالين في الفناء كانوا - في الواقع - يجبرون شعورهم بالخوف والعجز عن مواجهة الحياة بغلوهم هذا ، لذلك فهم أجبن الناس عند مواجهة الحقائق .
ومن هنا ؛ تجد تظاهرهم بالجنون ، وهو أخس الصفات عند خوفهم على أنفسهم كما أنهم بعد مقتل الحلاج بحثوا عن أساليب للتوفيق بين الشريعة والطريقة . فمثلًا : الغزالي الذي ألقى عصاه بعد تطواف بعيد عند شاطئ التصوف ، وفلسفة الإشراق التي فاضت بها نفسه ، نجده بالرغم من تلمذته للجنيد والمكي والبسطامي والشبلي ، يبذل جهداً في الدفاع عن مذهب السنة والجماعة ، والتوفيق بينه وبين كل ما كان يقيم له وزناً .
وقد ساعدت عوامل ثلاثة على نجاحه في صياغة عقيدة صوفية تتفق مع هذا المذهب ، هي :
أولًا : المفهوم القرآني للكائن الأسمى الذي يباين العالم كل المباينة ، والذي خلقه الله بفعل إرادته المطلقة ( الأمر ) .
ثانياً : سلم الكائنات الأفلاطوني المحدث ، الذي يمثل فيه العقل الكلي صلة الوصل بين الله وخليقته .
هامش
( 1 ) ( ) المصدر ، ص 336 .