ان هذا الإطار الضيق من التفكر لا ريب انه يحصر الانسان في زاوية لا يبصر منها إلا ما يتصور أنه يحقق له البقاء دون أدنى نظرة مستقبلية ، فينقاد شاء أم أبى إلى متاهات لانتيجة لها إلّا السقوط إلى حضيض حب الحياة العاجلة ، وبالتالي السقوط والهوي إلى الأرض . . ولهذا قيل : أن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، فالحب يعمي ويصم ومن ثم يجر وراءه الكثير من التصرفات التي تجر الانسان من انسانيته فلم يعد حينئذ أشرف المخلوقات ، ويعجز عندها من أن يدرك انه ما خلق ليحيا هذا السنين المعدودات القصار في عمر الزمن فحسب ، ما خلق ليحيا هذه العاجلة فقط ، ويعجز ان يفهم فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ( التوبة / 38 ) بل هو أيضاً يغفل عن الآجلة ويعيى عن فهم معنى الخلود وان هناك حياة أخرى هي خير وأبقى بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِنْهَا عَمُونَ ( النمل / 66 ) .
ثم إن الانسان حين تنحصر أفكاره وتصرفاته في حدود آنية ، وحين يتصور ان عصفورا في اليد خير من عشرة على الشجرة ؛ انما تتنامى فيه عادة التقاعس والخمول والاستسلام الذي يفتُّ في عضده ويعيقه عن مواجهة المشكلات وبالتالي عن الوصول إلى طموحاته المعنوية والمادية .
وهذا امام المتقين علي عليه السلام يقول : " ولا ينال العبد نعمة إلّا بفراق أخرى " . ( « 1 » )
فما من شك في أن من يريد المستقبل لابد ان يترك بعض لذاته الحاضرة ، ويعد نفسه لتجاوز هذه العقبة الكأداء من حب الدنيا والغفلة عن الآخرة . وليس ذلك
هامش
( 1 ) نهج البلاغة / قصار الحكم / 19 .