وقال الشاطبي : - فالفعل منه صلى الله عليه ( وآله ) وسلم - دليل على مطلق الإذن فيه ، مالم يدل دليل على غيره من قول أو قرينة حال أو غيرهما . « 1 »
وهكذا أكثر سائر علماء الأصول أكدوا على هذه الفكرة . ولنا أن نتساءل : إذاً لماذا أمرنا بأن نتخذ من الرسول أسوة ؟
يتبين الجواب بإذن الله تعالى بعد ذكر جملة نقاط :
أولًا : إن سيرة الرسول - كما أقواله - حجة ، وعلينا التأمل فيها ودراسة أبعادها ، كما يجب علينا دراسة كلماته والتأمل فيها .
وكما لا يجوز أن نغض الطرف عن كلماته ونعتذر بأنها غير واضحة ، كذلك لا يجوز أن نتولى عن سيرته ، ونبرر ذلك بأنها مجملة . كيف وقد أمرنا بالتأسي به صلى الله عليه وآله ، وقد بيّن القرآن جملة من سيرته . أليس لكي نقتدي به فيها ؟
وفي آيات التأسي بيّن ربنا سيرة الرسل والمؤمنين ، هل لمجرد الاستماع إليها ، أم للاهتداء بها ؟
إذاً ؛ إن علينا دراسة السيرة النبوية دراسة تهدينا إلى عبرها وهداها ، ومواقع الاقتداء والتأسي فيها . وبعد الدراسة إذا بقي إجمال فيها ، يجوز لنا ردّها إلى ما بيّن فيها ، كما نرد المتشابه إلى المحكم في الكتاب والسنة .
ومن هنا فقد روي عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام ، أنهم كانوا يتعلمون مغازي النبي كما كانوا يتعلمون القرآن .
وقد اهتم المؤرخون والرواة إلى نقل سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، حتى في أدق تفاصيلها .
ثانياً : في الحياة ثوابت ومتغيرات . فثوابت الحياة هي التي تفيض من سنن الحق التي أجراها الرب في خلقه ، أمّا المتغيرات فهي نتيجة الظروف الزمانية والمكانية . والثوابت من سيرة الرسل حجة ، لأن الزمن لا تأثير له فيها ، وقد روي أن : " حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة " . « 2 »
أمّا المتغيرات فإن فيها عبراً مفيدة ، وفيها تفاصيل ممتعة . وإنما الحجة للأجيال في عبرها ، وهي تلك الحكم العامة والمنهجية السلوكية التي يتبعها المقتدى ( الرسول أو الوصي أو المؤمن ) في
هامش
( 1 ) الموافقات ، ج 4 ، ص 59 .
( 2 ) وسائل الشيعة ، ج 20 ، ص 64 .